توجهت إسرائيل نحو انتخابات مرتقبة بعد قرار الكنيست حل نفسه في 17 يوليو 2026، لكن هذه الاستحقاقات الانتخابية المقررة في أواخر أكتوبر 2026 تختلف جوهرياً عن السابقة من حيث الأهمية والتأثير. وفقاً لدراسة للباحث مهند مصطفى حول «المشهد السياسي الانتخابي في إسرائيل»، فإن هذه الانتخابات تتجاوز التنافس التقليدي على تشكيل الحكومة لتكتسب طابعاً مصيرياً وتاريخياً.
تتمحور أهمية هذه الانتخابات حول قضايا جوهرية تتجاوز الخلافات السياسية المعتادة. فعلى الكفة الانتخابية ستُحسم ملفات تشمل هوية الدولة، ومستقبل مؤسساتها السياسية والبيروقراطية، ومصير السلطة القضائية، بل ووجهة المؤسستين الأمنية والعسكرية. وترى الدراسة أن القضايا الخارجية لن تكون مركز الصراع الانتخابي، باستثناء الجدل حول إنجازات بنيامين نتنياهو في الحروب التي خاضتها إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية.
تحدد الدراسة اختلافاً جوهرياً بين استراتيجية نتنياهو والمعارضة في تحديد أجندة الانتخابات. فالمعارضة تستفيد من تركيز النقاش على الملفات الداخلية، بينما يسعى نتنياهو لنقل السجال نحو الأمن والحروب. وتشير الدراسة إلى أن هذا التباين قد يجعل نتنياهو معنياً باندلاع حرب جديدة مع إيران عشية الانتخابات، بما يعيد الملف الأمني إلى مركز النقاش الإسرائيلي ويبعد الاهتمام عن الملفات الداخلية التي تمنح المعارضة أفضلية.
يعتبر استمرار حكومة نتنياهو حتى حل الكنيست نجاحاً سياسياً كبيراً، خاصة أنه لم يكن متوقعاً صبيحة السابع من أكتوبر 2023 أن تتمكن من الصمود. وبحل الكنيست في يوليو 2026، تكون الحكومة الحالية الأولى التي تكمل مدتها القانونية منذ عام 1988. وفسرت الدراسة هذا الصمود بقدرة نتنياهو على ربط مصير حكومته بمصير مكونات الائتلاف الحاكم، حيث جعل سقوط الحكومة يعني نهاية اليمين الحاكم، وتعطيل مشروع تعميق الاستيطان، ووقف التغييرات الدستورية. لعب انضمام حزب «معسكر الدولة» برئاسة بيني غانتس إلى حكومة الطوارئ الوطنية دوراً أساسياً أيضاً في تثبيت حكم نتنياهو في الأشهر الأولى.
شهدت فترة حكومة نتنياهو تطورات جوهرية في السياسة الداخلية والدستورية. بعد استقرار حكومته، عادت إلى مشروع التغييرات الدستورية بالتوازي مع تصاعد خطاب الحكومة تجاه معارضيها. وسنت الحكومة سلسلة من التشريعات الهادفة إلى تقييد حرية الإعلام والسيطرة عليه، وتقييد المؤسسات القانونية. وشمل ذلك سن قانون أساس لتعليم التوراة في يوليو 2026 يمنح امتيازات مالية لطلبة المدارس الدينية الذين لا يخدمون في الجيش. وحملت الحكومة مسؤولية السابع من أكتوبر للأجهزة الأمنية والعسكرية، بينما ظل المنتخبون السياسيون، وفي مقدمتهم نتنياهو، في مواقعهم.
تشير الدراسة إلى تحول جذري في البنية السياسية الإسرائيلية. لم يعد التنافس بين أحزاب منفردة، وإنما بين معسكرات سياسية تضم عدداً من الأحزاب والقوائم. انقسمت الخريطة إلى معسكر نتنياهو والمعسكر المناهض لنتنياهو. يضم الأخير أحزاباً يمينية متطرفة مثل «إسرائيل بيتنا» برئاسة أفيغدور ليبرمان، وحزب «الديمقراطيون» الممثل لبقايا اليسار الصهيوني، وأحزاب من يمين الوسط. الرابط الأساسي بينها هو الرغبة في إنهاء حكم نتنياهو المتواصل.
أحدث السابع من أكتوبر 2023 تحولاً انتخابياً كبيراً. تراجع تمثيل معسكر نتنياهو في استطلاعات الرأي إلى 50-52 مقعداً، ولم تمنحه أي من الاستطلاعات خلال الأعوام الثلاثة التالية إمكانية تشكيل حكومة قائمة على معسكره الحالي. وكانت حكومة نتنياهو التي تشكلت عام 2022 الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وأول حكومة يشكلها من أحزاب يمينية دينية جميعها، سواء من الصهيونية الدينية أو الأحزاب الحريدية، وحملت منذ البداية أجندة واضحة لتغيير النظام القضائي.







