تحتفل الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام باليوم العالمي للسلام، لكن المناسبة تحل هذا العام تحت ظل واقع مؤلم. فالحاجة إلى السلام لم تكن أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، مع استمرار حروب ونزاعات مسلحة في مناطق متفرقة من العالم تسببت في نزوح وتشريد عشرات الملايين من البشر.
اختارت الأمم المتحدة شعار هذا العام: "استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم"، وتأكيد على أن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل أساس لازم لمواجهة تحديات البشرية وتجربة معاشة تتجسد في الأمان والكرامة والفرص.
التراجع المستمر
وفقا لمؤشر السلام العالمي لعام 2026، وصل مستوى السلام إلى أدنى مستوى له منذ بدء إصدار المؤشر قبل نحو عقدين. تراجع متوسط مستوى السلام بنسبة 0.7 في المئة مقارنة بالعام الماضي، ليكون هذا العام الثاني عشر على التوالي الذي يشهد تراجعا في مستوى السلام العالمي.
من بين 163 دولة يشملها المؤشر، شهدت 99 دولة تراجعا في مستوى السلام، بينما حققت 62 دولة تحسنا. وبات 119 دولة، أي نحو 73 في المئة من الدول المرصودة، أقل سلاما مما كانت عليه في عام 2008.
أرقام صادمة
بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستويات قياسية تجاوزت 2.9 تريليون دولار خلال عام 2025. وفي الميدان، كانت نزاعات مسلحة نشطة في 49 دولة خلال نفس السنة، أسفرت عن حوالي 238 ألف قتيل من أعلى المستويات المسجلة في السنوات الأخيرة.
أما على صعيد الأزمة الإنسانية، فقد بلغ عدد النازحين قسرا في العالم بنهاية عام 2025 حوالي 117.8 مليون شخص، يضافون إلى معاناة ملايين آخرين يعانون من الجوع والفقر والحرمان.
بؤر التوتر الرئيسية
تبقى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأقل سلاما عالميا. شهدت المنطقة تصعيدا عسكريا كبيرا في مطلع 2026 عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير والرد الإيراني بهجمات طالت عدة دول خليجية والأردن، ما أثر على الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
في اليمن، شهدت أحداث سبتمبر تصعيدا عسكريا حادا أدى إلى نزوح أكثر من 112 ألف شخص بحلول منتصف الشهر. وفي قطاع غزة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، يعاني معظم السكان البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة في مواقع نزوح مكتظة وسط نقص في المواد الأساسية والخدمات الضرورية.
كما يعتبر السودان مثالا حيا على تعثر السلام، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. أدت الحرب إلى نزوح 14 مليون شخص ومعاناة 20 مليون آخرين من مستويات حادة من الجوع. وفي لبنان، لا تزال ملفات أساسية معرقلة للتسوية الدائمة بين موقف إسرائيلي يشترط نزع سلاح حزب الله وموقف من الحزب برفض ذلك قبل الانسحاب الإسرائيلي.
دعوة عالمية
حثّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قادة العالم على الاستثمار في مستقبل ينعم فيه الناس كافة بالسلام، داعيا إلى الاستلهام من شجاعة أولئك الذين ينادون بالسلام في الأحياء والفصول الدراسية والمجتمعات المحلية. وأكد رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة أن السلام يجب أن يُبنى وأن بناءه مسؤولية مشتركة تتطلب استثمارا في الثقة والتعاون الدولي.









