كشفت انشقاقات عدد من المسؤولين والدبلوماسيين الكوريين الشماليين عن فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي والمعتقدات الحقيقية داخل دوائر النخبة الحاكمة. وبينما لا تشير هذه الظواهر إلى انهيار وشيك للنظام، فإنها تثير تساؤلات جادة حول تماسك البنية الحاكمة عند مواجهة أزمات متتالية.
وتعيش النخبة الكورية الشمالية تناقضاً حاداً. فهي تتولى إدارة الحزب والجيش والسفارات والاقتصاد، وتحظى بامتيازات هائلة لا تتاح لعموم السكان. غير أن أفرادها يدركون الهوة السحيقة بين الدعاية الرسمية والواقع العالمي. ويضطرهم ذلك إلى ترديد الروايات المعتمدة والحفاظ على صورة العائلة الحاكمة، رغم ما شاهدوه بأنفسهم خارج البلاد.
التفاصيل
ارتفعت معدلات انشقاق طبقة النخبة العليا في عهد كيم جونغ أون بمعدل يزيد على مرتين ونصف مقارنة بمجموع الحالات في عهدي والده وجده، بحسب استخبارات كوريا الجنوبية حتى أغسطس 2024. ورغم أن الأعداد لا تزال تُقاس بالمئات، فإنها تعكس تحولاً ملموساً في ديناميكيات الولاء. منذ توليه الحكم عام 2011، أقال كيم جونغ أون عديداً من المسؤولين وأعدم آخرين، بينما شدد القيود الحدودية والإعلامية، خاصة خلال جائحة كورونا، ما قلص فرص الهروب.
لعل أبرز دليل على أن المكانة والقرابة لا توفران حصانة كان إعدام جانغ سونغ ثايك، عم الزعيم وأحد أقوى وزراء النظام، عام 2013. دفع هذا الحدث عائلة ري جونغ هو، الموظفة في جهاز إدارة العملات الأجنبية، إلى الفرار عبر الصين عام 2014. أما الموفدون إلى الخارج فتحتجز جوازاتهم، وتبقى أسرهم وسيلة ضغط فعّالة. عند عودتهم، يخضعون لتحقيقات أيديولوجية صارمة.
من الأمثلة الواضحة على هذا التناقض انشقاق الدبلوماسي ثاي يونغ هو عام 2016. اعترض بسبب سياسة منع المواطنين العاديين من الاستماع إلى الموسيقى الغربية، فيما كانت العائلة الحاكمة تنفق أموالاً طائلة لحضور حفل إريك كلابتون الموسيقي في لندن.
الآليات النفسية والاجتماعية
تصف الدراسة هذا الواقع بمصطلح "تزوير التفضيلات"، وهو إظهار مواقف علنية مخالفة لحقيقة المعتقدات خوفاً من العقاب. في جلسات النقد الذاتي الحزبية، يتفق الزملاء على أخطاء محدودة معينة يعترفون بها علنياً، كي يبدوا ملتزمين دون تعريض بعضهم البعض للخطر. قد يتظاهر المواطنون بالحزن في مراسم الحداد الرسمية بينما يخفون شكوكهم الحقيقية.
القرب من السلطة في كوريا الشمالية لا يوفر حماية بل يعرض صاحبه للمراقبة الدقيقة والعقاب المفاجئ. يقول مسؤول سابق إن النخب "تعرف كل شيء لكنها لا تعبر عنه" لأنها لا تعرف من تثق به.
دوافع التمرد
لا تقتصر دوافع التململ على الاعتراضات السياسية. يسعى المسؤولون إلى تأمين مستقبل أسرهم وفرص تعليمية وتجارية أفضل لأبنائهم. تركز الأجيال الأصغر بقوة على المال والأسواق، فيما لا تضمن الوظيفة الحكومية امتيازات دائمة. الدولة لا توفر معاشات كافية، وقد يفقد الموظف المتقاعد منزله ومكانته بعد عقود من الخدمة المخلصة.
الحواجز أمام التنظيم
رغم اتساع مساحات السخط، يبقى تحويله إلى معارضة منظمة أمراً في غاية الصعوبة. الأجهزة الأمنية واللجان الحزبية تراقب المؤسسات والأحياء السكنية بدقة. يشجع النظام الإبلاغ المتبادل بين المواطنين، فيما تجعل سياسة العقوبات الجماعية أي تحرك فردي خطراً على أسرة المعترض كاملة.
تعزز موارد النظام، المستمدة من التجارة مع الصين ومبيعات السلاح والقرصنة الإلكترونية، قدرته على تمويل أجهزته الأمنية وبرنامجه النووي ومكافأة الموالين. لذلك لا يتوقع المحللون حدوث انتفاضة قريبة. معظم الساخطين يختارون الصمت أو الهروب.
السيناريوهات المستقبلية
لكن هشاشة الولاء قد تظهر عند مواجهة أزمة اقتصادية حادة أو صراع على الخلافة أو اضطراب أمني عميق. إذا خلص المسؤولون إلى أن الطاعة لم تعد تحميهم، قد يمتنعون عن تنفيذ الأوامر أو ينحازون إلى منافسين أو يفرون جماعياً. السيناريو الحقيقي لنهاية نظام كيم قد لا يبدأ من الشارع، بل حين يقرر رجاله أن الولاء لم يعد خيارهم الأكثر أماناً.










