كشفت تفاصيل مناقصة إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر عن منافسة استراتيجية أعمق بكثير من مجرد عقد تجاري بين القوتين العظميين. فمصر وجدت نفسها في قلب واحدة من أبرز ساحات التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، في سباق لا يزال مفتوح الآفاق.
قدمت شركة هواوي الصينية عرضاً للحكومة المصرية لبناء بنية تحتية متقدمة للحوسبة بالذكاء الاصطناعي. يتضمن العرض توريد 1408 رقائق من سلسلة Ascend 950 لاستخدامها في بنية تحتية سحابية مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب 600 رقاقة إضافية من الطراز نفسه أو من طراز Ascend 910B الأقدم لتشغيل مركزين متخصصين في ما يعرف بـ"الاستدلال"، أي تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بعد تدريبها. واقترحت هواوي تنفيذ البنية التحتية خلال 12 شهراً.
من جانبها، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حسب مصادر وثائق، إلى تجميع تحالف يضم عدة شركات أمريكية بارزة لتقديم عرض بديل ومنافس في المناقصة المصرية. لم تعلن الحكومة المصرية حتى الآن اختيارها لأي من العرضين.
الخلفية
تمتد جذور هذه المنافسة إلى السياق الأوسع للحرب التكنولوجية المستمرة بين واشنطن وبكين على النفوذ والهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة في الأسواق الناشئة. تملك مصر أهمية استراتيجية فريدة كإحدى أكبر دول أفريقيا من حيث عدد السكان، وتتمتع بموقع يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. بنيتها التحتية للاتصالات تجعلها نقطة اتصال مهمة في المنطقة، حيث تمرّ عبرها كابلات بحرية دولية تربط بين مناطق مختلفة من العالم.
وسّعت مصر والصين تعاونهما التكنولوجي خلال السنوات الأخيرة ليشمل الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتصميم الشرائح والذكاء الاصطناعي وتدريب الكوادر. في سبتمبر 2024، وقّعت القاهرة وبكين خمسة اتفاقات في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تضمنت إنشاء مركز للبحث والتطوير في تصميم الشرائح وإنشاء صندوق تكنولوجي بقيمة 300 مليون دولار. بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 17 مليار دولار في 2024.
التفاصيل والأهمية الاستراتيجية
تتجاوز أهمية هذا المشروع احتياجات مصر الداخلية. يجمع العرض المقترح بين عوامل فريدة: حجم سوق كبير، وكوادر بشرية متخصصة، وموقع جغرافي استراتيجي. يمكن للمركز أن يصبح جزءاً من بنية إقليمية تقدم خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي لأسواق عربية وأفريقية أخرى لا تزال في مراحل مبكرة من بناء بنيتها التحتية في هذا المجال.
بالنسبة إلى هواوي، تمثل هذه الصفقة اختبارًا معروفًا لقدرة الشركة على تصدير رقائق Ascend المتقدمة خارج الصين بعد أكثر من عام من محاولاتها دخول أسواق دولية. الرقائق الصينية لا تزال متأخرة عن أفضل الرقائق الأمريكية من حيث القدرات، والقيود الأمريكية على وصول الصين إلى تقنيات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة تعرقل قدرة هواوي على إنتاج كميات كبيرة. نجاح صفقة مصرية سيعني وجود طلب دولي على رقائقها وسيمنحها فرصة لإثبات قدرتها على توفير البنية التحتية اللازمة خارج السوق الصينية.
التحديات القانونية والتنظيمية
قد يتأثر تنفيذ الصفقة بالقيود الأمريكية على التكنولوجيا الصينية. منذ عام 2023، تخضع شحنات بعض رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى مصر لمتطلبات ترخيص أمريكية. حذرت إدارة ترامب من أن استخدام بعض رقائق هواوي المتقدمة من دون موافقة واشنطن قد يعرّض الجهات المستخدِمة لها لعقوبات، مما يضيف طبقة تعقيد إضافية على المفاوضات المصرية.









