أفادت BBC عربي بأن التوترات بين تركيا وإسرائيل في الأراضي السورية آخذة في التصاعد، مما يثير مخاوف حقيقية من احتمالية تحول التنافس الإقليمي إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وقد جاء هذا التساؤل على خلفية الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في محافظة إدلب في 18 أغسطس الماضي، وبررت إسرائيل تنفيذها بقلقها من احتمال نشر قوات عسكرية تركية في المطار، بينما أكدت دمشق عدم وجود أي نية لإنشاء قاعدة عسكرية تركية هناك.
تجد سوريا نفسها في وضع حرج، حيث تحاول الموازنة بين قوتين إقليميتين مؤثرتين، كل منهما لديها مصالح خاصة بها على الأراضي السورية. وبات السؤال الأساسي معلقاً: هل ستتمكن سوريا من حماية سيادتها الوطنية وإعادة بناء دولتها دون أن تصبح ساحة صراع مباشرة بين أنقرة وتل أبيب؟
الخلفية
وصفت مجموعة الأزمات الدولية سوريا في مايو الماضي بأنها أصبحت "خط صدع" تتزايد فيه الاحتكاكات بين الدولتين. دعمت تركيا تاريخياً جماعات سورية مسلحة معارضة للنظام، وتوغلت في مناطق بشمال سوريا بدعوى حماية أمنها الحدودي ومحاربة وحدات كردية. لكن منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، أصبحت تركيا من أبرز الداعمين للسلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
أما إسرائيل فقد شنّت العديد من الغارات الجوية على مناطق متفرقة في سوريا، ودمرت صواريخ وطائرات وسفناً تابعة للجيش السوري، كما سيطرت على مناطق في جنوب سوريا من بينها المنطقة العازلة منزوعة السلاح بين البلدين. تتجاهر الدولتان بالحديث عن مصالحهما المتنافسة، وتزايدت الخطابات العدائية بينهما في الفترة الأخيرة.
التفاصيل
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يونيو الماضي إن أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي جنوبي البلاد، بل من حلب ودمشق وبيروت. ومنذ سقوط نظام الأسد، زودت تركيا الحكومة السورية بالدعم اللوجستي والعسكري وسعت إلى مساعدتها في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي دُمرت خلال حرب أهلية استمرت نحو 14 عاماً وأسفرت عن سقوط مئات الآلاف من القتلى.
بالنسبة لأنقرة، وجود حكومة مستقرة تربطها بها علاقات قوية في سوريا يخدم مصالحها الإستراتيجية، بما في ذلك معالجة المسألة الكردية وتوفير ظروف مواتية لعودة اللاجئين السوريين. كما يعطيها عمقاً إستراتيجياً جديداً لنفوذها الإقليمي ويملأ الفراغ الذي خلّفه انسحاب القوات الإيرانية والروسية.
تقول محللة سياسية تركية وزميلة ببروكينغز إن "في البداية كان دافع تركيا الرئيسي منع قيام كيان كردي يتمتع بالحكم الذاتي على حدودها الجنوبية، لكن اليوم هدفها الرئيسي هو المساعدة في ترسيخ وحدة سوريا تحت مظلة حكومة مركزية، والحفاظ على منطقة عازلة لتسهيل عودة ملايين اللاجئين السوريين، والحصول على نفوذ في المعادلة السورية الأوسع".
أما إسرائيل فتحرص على الاحتفاظ بحريّة العمل في المجال الجوي السوري ومنع وجود أي قدرات عسكرية معادية بالقرب من حدودها. تنظر إسرائيل إلى أي وجود عسكري تركي بوصفه تهديداً محتملاً، خاصة في ضوء الشكوك حول طبيعة النظام السوري الجديد ونواياه بسبب أصوله الجهادية. كما تخشى من أن أنظمة الدفاع الجوي التركية قد تعرقل أنشطة القوات الجوية الإسرائيلية.
السياق الأوسع
لم تكن العلاقات بين البلدين متوترة دائماً. فقد كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل وتقيم علاقات دبلوماسية معها في منتصف القرن الماضي، وكانت هناك علاقات تجارية قوية توسعت بشكل كبير خلال التسعينيات. لكن تدهورت العلاقات بشكل كبير في أعقاب حرب غزة التي اندلعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
اتهمت تركيا إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وأعلنت قطع العلاقات التجارية معها في مايو 2024. وفي يونيو الماضي، اعترفت الحكومة الإسرائيلية رسمياً بعمليات القتل الجماعي للأرمن بوصفها "إبادة جماعية". كما أعلنت تركيا نيتها استصدار مذكرة توقيف دولية من الإنتربول بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد بضعة أيام من غارة أبو الظهور.
برز أيضاً تعارض مصالح البلدين في منطقة شرق المتوسط. فقد أبرمت إسرائيل اتفاقيات تعاون مع اليونان وقبرص، وهو ما تعترض عليه تركيا التي تشعر بالقلق من حصول قبرص على أسلحة إسرائيلية متقدمة. كما عارضت تركيا مشروع ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا لأنه تفادى المرور عبر أراضيها.
هل يصل إلى مواجهة مباشرة؟
رغم تصاعد لهجة الخطاب بين الطرفين، لا يعني هذا بالضرورة أن البلدين على شفا حرب موسعة. كلاهما لديه حوافز قوية لتفادي مواجهة مباشرة في الوقت الراهن. فمثل هذا الصراع سيؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة السورية التي تحاول أنقرة دعمها، وتعرض طموحها في زيادة رقعة نفوذها الإقليمي للخطر. كما أنه لن يكون من السهل على إسرائيل الدخول في مواجهة موسعة في الوقت الراهن.








