الجمعة 18 سبتمبر 2026

الضحك على النفس سلاح ذو حدين.. دراسات تكشف التأثير الحقيقي على الصحة النفسية

المصدر: BBC عربي

شارك الخبر:

كشفت دراسات حديثة أن العلاقة بين الضحك على النفس وصحتنا النفسية ليست بالبساطة التي قد نتصورها، فالأمر يتطلب توازناً دقيقاً بين الإيجابيات والمخاطر. الأبحاث تؤكد أن الأشخاص الذين يتمتعون بالقدرة على السخرية من أنفسهم بطريقة صحية يميلون إلى التمتع بصحة نفسية أفضل، وعلاقات اجتماعية أكثر قوة واستقراراً، إضافة إلى قدرتهم على مواجهة تحديات الحياة والتعامل مع الإخفاقات بمرونة أكبر.

الخلفية

يعود الجدل حول إمكانية الضحك على النفس إلى قديم الزمان. الفيلسوف اليوناني أفلاطون رأى أن الفكاهة تنبع من الشعور بالتفوق على الآخرين فقط. وبعد أكثر من ألف عام، اتفق الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز معه، مع استثناء واحد: عندما يضحك الناس على حماقة ارتكبوها في الماضي، مما يعكس ما اكتسبوه من خبرة ومعرفة. لكن في القرن الثامن عشر، اقترحت "نظرية التناقض" أن الضحك ينتج غالباً عن انتهاك غير متوقع للأعراف الاجتماعية، وبدأت وجهات النظر تتطور تدريجياً.

التفاصيل

ظل التساؤل حول قدرة الناس على الضحك على أنفسهم موضوعاً مثيراً للجدل حتى الأزمنة الحديثة. لكن في عام 2011، اختبر باحثون أوروبيون هذه القدرة تجريبياً بطريقة مبتكرة: صوروا وجوه المشاركين بالفيديو سراً، ثم عرضوا عليهم صوراً مشوهة لوجوههم في زيارة لاحقة. النتائج كانت واضحة: ابتسم 80 في المئة من المشاركين على الأقل عند رؤية الصورة، وضحك بصوت عالٍ 40 في المئة منهم.

تقول سونيا هاينتز، المحاضِرة في علم النفس بجامعة بليموث المتخصصة في أبحاث الفكاهة: "حُسم الأمر علمياً الآن إلى حد كبير: نعم، من الممكن أن يضحك الإنسان على نفسه، وهناك فوائد كثيرة مرتبطة بذلك". ادّعى الباحث الأمريكي البارز بول ماكغي عام 2010 أن القدرة على الضحك على النفس تعد أحد أكثر أنواع الفكاهة صعوبة في الإتقان. في برنامجه المكوّن من سبع خطوات لتنمية حس الفكاهة، كان تعلّم الضحك على النفس هو الخطوة قبل الأخيرة، ولا يتفوّق عليه في الصعوبة سوى "العثور على الفكاهة في المواقف المجهدة". رأى ماكغي أن الضحك على النفس يشكّل بوابة إلى أنواع أخرى من الفكاهة، و"عنصراً أساسياً" في حياة أكثر مرحاً.

لكن الفائدة الحقيقية لا تكون مضمونة في جميع الحالات. يجد بعض الأشخاص السخرية من الذات أسهل من غيرهم، خاصة إذا كانوا يعانون من رهاب الضحك (Gelotophobia)، وهي حساسية شديدة تجاه الضحك عليهم. لا يوجد عامل واحد يفسر هذه الحالة، لكن أسلوب التربية الصارم والقائم على العقاب يعتبر أحد عوامل الخطر. كما يشكل التعرّض في سن مبكرة لتجربة مؤلمة تتمثل في السخرية عاملاً آخر، خاصة في سياقات مثل المدرسة حيث يصبح الشخص مادة للسخرية لفترات طويلة. اضطراب طيف التوحّد يبدو أيضاً عاملاً من عوامل الخطر.

الأبعاد الثقافية والنفسية

هناك بُعد ثقافي واضح لهذه الظاهرة. مستويات رهاب الضحك تكون أعلى في دول شرق آسيا منها في الدول الغربية. الباحثون يعزون ذلك إلى أن أفراد الثقافات الجماعية أقل ميلاً لاستخدام الفكاهة كوسيلة للتكيّف مع الضغوط، وتميل هذه الثقافات إلى الاعتقاد بأن الفكاهة من الأفضل أن تُترك للمحترفين. في الصين، مثلاً، يميل الناس إلى ربط الفكاهة بـ"الخبراء" أي الكوميديين، أكثر من ربطها بالمواطنين العاديين.

المصابون برهاب الضحك يميلون إلى تحقيق نتائج أسوأ على الصعيدين النفسي والاجتماعي. ارتبطت هذه السمة بانخفاض الرضا عن الحياة، وزيادة تجنب الصداقات، وارتفاع مستويات الوحدة والاكتئاب. بالمقابل، هناك سمة معاكسة تسمى "حُبّ أن يكون المرء موضع ضحك الآخرين (Gelotophilia)"، أي الاستمتاع بأن يضحك الآخرون عليه. ارتبطت هذه السمة بمستويات أقوى من الترابط الاجتماعي، ومن مظاهرها ما يُعرف بـ"الروح المرحة" أو "النزعة إلى اللعب"، وهي الميل إلى التعامل مع النفس والعالم بخفة. أثبتت الأبحاث أن المرح يعد مؤشراً على ارتفاع تقدير الذات والرضا عن العلاقات.

ماذا بعد؟

اتفق معظم الخبراء على أن الفكاهة مفيدة لعلاقاتنا الاجتماعية، لكن نوع الفكاهة مهم أيضاً. الأبحاث تؤكد أن التأثير الإيجابي للضحك على الذات يعتمد بشكل كبير على الدافع الحقيقي وراء هذا الفعل والأسلوب المتبع في ممارسته، وليس مجرد الضحك العشوائي على النفس. فهم هذا التوازن يساعد على الاستفادة من فوائد النكتة على الذات دون الوقوع في فخ إيذاء النفس نفسياً.

المزيد حول هذا الموضوع

المزيد في صحة