الأحد 8 نوفمبر 2026

بي بي سي تتحول من الاعتذار إلى المواجهة القانونية مع ترمب

المصدر: الجزيرة

شارك الخبر:

بعد اعتذارها عن خطأ تحريري، انتقلت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي من الموقف الدفاعي إلى مواجهة قانونية مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. لم تكتف بسحب الحلقة المثيرة للجدل من منصتها، بل رفضت دفع التعويضات الضخمة التي يطالب بها البالغة 10 مليارات دولار.

تعود النزاع إلى برنامج بانوراما الذي بثّ حلقة بعنوان ترمب.. فرصة ثانية؟ في أكتوبر 2024. جمع البرنامج مقطعين من خطاب ألقاه ترمب في السادس من يناير 2021، يفصل بينهما نحو 50 دقيقة، بما أوحى بأنه دعا مباشرة إلى أعمال العنف التي شهدها مبنى الكابيتول. وبعد الكشف عن الخطأ في مذكرة داخلية، اعتذرت بي بي سي وسحبت الحلقة، غير أنها رفعت موقفها القانوني على أساس أن الخطأ التحريري لا يشكل أساساً لدعوى تشهير.

إستراتيجية الهجوم القضائي

بدلاً من الخضوع للضغط المالي، اعتمدت بي بي سي إستراتيجية جديدة خلال مرحلة تبادل الأدلة القضائية. طلب محاموها سجلات تجارية متعلقة بنادي مارالاغو الخاص بترمب، تشمل رسوم العضوية وعدد طلبات الانضمام السنوية. كما استهدفت مذكرات ترمب وسجلات اتصالاته خلال الفترة المحيطة باقتحام الكونغرس.

الهدف من هذه الطلبات واضح: اختبار حجم الضرر المالي والسمعي الذي يدّعيه ترمب، وربط ادعاءاته بالوقائع الفعلية. طالبت بي بي سي أيضاً باستجواب ترمب تحت القسم، لكن محاموه ألغوا موعد جلسة مقررة في 16 أكتوبر بحجة وجود مسائل أخرى ذات أهمية وطنية.

قرار قضائي يلزم ترمب

في جلسة استماع في 22 أكتوبر، اشتكى محامي بي بي سي تشارلز توبين من أن فريق ترمب لم يقدم وثائق جوهرية استجابة لطلباته. ألزمت القاضية الفدرالية إنجوليكي ليت ترمب بالمثول للاستجواب قبل 11 ديسمبر، وسمحت بتسجيله بالفيديو، مع الإقرار بطلب الحصول على السجلات التجارية المتعلقة بمارالاغو. حذرت المحكمة من أن عدم الالتزام قد يؤدي إلى عقوبات تصل إلى إسقاط الدعوى نفسها.

وجد المقرب من القانون في جامعة ييل ديفيد شولتز أن القرار مهم في السياق القضائي، لكنه ليس استثنائياً في دعاوى التشهير. من المعتاد السماح للمدعى عليه بالحصول على أدلة تتعلق بالأضرار المزعومة واستجواب المدعي عندما تكون الوقائع محل نزاع. غير أن الوصول إلى الوثائق لا يعني بالضرورة إمكانية نشرها، فقد تبقى بعض المواد سرية بموجب أوامر قضائية.

استقلالية بي بي سي مقابل المصالح التجارية

يختلف موقف بي بي سي عن تسويات أبرمتها مؤسسات إعلامية أمريكية كبرى مع ترمب. وافقت شبكة إيه بي سي على تسوية بقيمة 16 مليون دولار في قضية متصلة بتصريحات المذيع جورج ستيفانوبولوس، بينما دفعت شركة باراماونت المالكة لسي بي إس مبلغاً مماثلاً لتسوية تتعلق ببرنامج 60 دقيقة.

يعزو الخبراء اختلاف موقف بي بي سي جزئياً إلى طبيعة ملكيتها بوصفها مؤسسة خدمة عامة، مما يمنحها قدراً من الاستقلال عن المصالح التجارية التي تقيد الشركات الإعلامية الخاصة. هذا الاستقلال يعكس دور المؤسسة التاريخي في مساءلة السلطات بغض النظر عن الضغوط السياسية أو التجارية.

بين الدفاع والمساءلة

تضع القضية الحالية بي بي سي أمام اختبار مزدوج: الدفاع عن نفسها ضد دعوى تشهير، مع الحفاظ على قدرتها على إنتاج معلومات تخدم المصلحة العامة. لكن تحويل الوثائق والاستجوابات القادمة إلى مادة صحفية يظل احتمالاً مشروطاً بما ستكشفه الإجراءات القضائية، ومدى السماح القانوني بإتاحة تلك المعلومات علناً.

تجاوز النزاع القضائي حدود الخلاف بين ترمب والمؤسسة البريطانية، ليطرح سؤالاً أوسع عن دور وسائل الإعلام: هل يمكنها استخدام الأدوات القانونية لتعزيز المساءلة والشفافية، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن نفسها أمام الدعاوى؟ المواقف التي تتخذها المؤسسات الإعلامية في مثل هذه الحالات قد تحدد مسار حرية الصحافة والحق العام في المعرفة في السنوات القادمة.

المزيد حول هذا الموضوع

المزيد في العالم