كشفت بي بي سي تفاصيل جديدة عن عملية اختطاف الصحفي الأمريكي أوستن تايس الذي اختفى في سوريا عام 2012. وتظهر الوثائق والشهادات أن الاختطاف لم يكن وليد الصدفة كما اعتقد البعض لسنوات، بل كانت عملية مدروسة استغرق التخطيط لها أسابيع وتمت بموافقة مباشرة من الرئيس بشار الأسد.
التخطيط والموافقة
بدأت العملية عندما أبلغ سائق تايس، الذي كان يزود النظام بالمعلومات، عضواً بارزاً في قوات الدفاع الوطني بأن الصحفي يتحرك في مناطق خاضعة للمعارضة ويجري تقارير عنها. كان تايس، وهو خريج كلية الحقوق بجامعة جورجتاون وضابط سابق برتبة نقيب في مشاة البحرية، يكتب تقارير لصحيفة واشنطن بوست تتصدر الصفحة الأولى. في ذلك الوقت كان نظام الأسد يشن حملة على من يسلط الضوء على انتهاكاته لحقوق الإنسان.
نُقلت المعلومات إلى بسام الحسن، أحد أكثر الشخصيات الأمنية قرباً من الأسد ورئيس قوات الدفاع الوطني. يقول أحد الذين شاركوا في الاحتجاز، وعرّف نفسه باسم أبو علي، إن الحسن اتصل بالرئيس هاتفياً، فأجاب الأسد بعبارة موجزة: أحضروه إلينا. بعد الموافقة، استُدعي أبو علي إلى مكتب الحسن وأُبلغ بأن الرئيس وافق على العملية.
مراقبة مستمرة
لم يُختطف تايس على الفور. اقترح السائق مواصلة المراقبة للتعرف على تحركاته بشكل أفضل، مستفيداً من ثقة الصحفي به. استمرت المراقبة بينما كان تايس يشارك خبرته العسكرية مع مقاتلي المعارضة ويصحح لهم طريقة استخدام الأسلحة. جعل هذا السلوك الرجال الذين يراقبونه يشعرون أنه قد يكون عنصراً في وكالة الاستخبارات الأمريكية وليس صحفياً، رغم أن بي بي سي لم تجد دليلاً يؤيد ذلك ونفاه مسؤول أمريكي سابق.
قام السائق بخطوة جريئة قبل الاختطاف بقليل. بينما كان تايس يجري مقابلات مع مقاتلي المعارضة، أخذ السائق حقيبة ظهر الصحفي الأمريكي بسرية لفحصها. كانت الحقيبة تحتوي على حاسوب ماك بوك وجهاز إرسال عبر الأقمار الصناعية وأغراض شخصية أخرى.
عملية الاختطاف
في 11 أغسطس 2012، احتفل تايس بعيد ميلاده الحادي والثلاثين في منزل آمن للمعارضة على الطرف الغربي من دمشق. بعد الاحتفال، أخبر أشخاصاً عدة بأنه ينوي قضاء وقتاً في لبنان. لكنه لم يكن متجهاً إلى بر الأمان، بل إلى منشأة حكومية في منطقة الطاحونة على أطراف دمشق بها مكتب للحسن.
عندما وصلت السيارة إلى بوابات المنشأة، أخرج السائق مسدساً. ظن تايس في البداية أنه يمزح، لكن السائق أخبره أنه جاد. حاول الصحفي التفاوض، فأخرج دفتر شيكاته وتوسل إلى السائق أن يحدد المبلغ الذي يريده بدلاً من متابعة الاختطاف. لكن عناصر من قوات الدفاع الوطني أمسكوا به وغطوا عينيه.
كشف المسؤولية
تحدثت بي بي سي مع أكثر من 20 شخصاً للكشف عن هوية السائق، وتوصلت في نهاية المطاف إلى رجل يُدعى حميد أبو عبيد من مدينة حمص. أكدت عائلته أنه الرجل الذي استدرج تايس، وأيد ذلك عدة عناصر من قوات الدفاع الوطني. عائلة أبو عبيد من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من غزة، تعيش في فقر ولا تتمتع بحقوق المواطنة السورية. بحسب شقيقه، وُعد بجواز سفر وجنسية سورية ومنزل وسلاح مقابل تسليم تايس. لكن بعد الاختطاف، لم يحصل سوى على مسدس. اختفى أبو عبيد لاحقاً، وتقول عائلته إنها لا تعرف مكانه.
الأدلة الموثقة
عثرت بي بي سي، في أعقاب انهيار النظام بعد 12 عاماً، على ملفات سرية للمخابرات السورية بشأن تايس تضم مئات الصفحات من السجلات الداخلية. كانت هذه أول دليل قاطع على أن النظام هو الذي احتجز الصحفي. بحثت بي بي سي عن تايس في عدة مواقع بناءً على إحداثيات استخباراتية لأكثر من شهر لكن لم تعثر على أي أثر له. قال قائد سوري سابق إن تايس أُعدم، لكن آخرون شككوا في هذه الرواية ولم يُعثر على رفاته.










