تتوالى الكوارث في مناجم الذهب السودانية. في أيام معدودة، انهارت 5 آبار متلاصقة بمنطقة النهود في ولاية غرب كردفان، فأسفرت عن مقتل 83 شخصاً على الأقل وإصابة عشرات آخرين. وثلاثة أيام لاحقة، انهار بئر بمنطقة جبيت شرقاً، مما أسفر عن 12 قتيلاً. وهذه ليست حوادث معزولة. في بداية السنة، لقي نحو 13 شخصاً مصرعهم في أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان. وفي أبريل مات 6 آخرون بالقنب بالبحر الأحمر. وفي نهاية يونيو، انهيار مفجع بهيا شرق البلاد أودى بحياة حوالي 50 عاملاً.
رغم هذه الأخطار القاتلة، لا يتوقف السودانيون عن البحث عن الذهب. أعدادهم ارتفعت بشكل حاد منذ اندلاع الحرب في 2023، ليصل العاملون في مناجم تقليدية إلى نحو 6 ملايين شخص يعملون بأكثر من 800 موقع، وفقاً للمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية.
السبب: الجوع والحرب
آدم الفكي يمثل حالة آلاف السودانيين. كان يعمل بالزراعة في شمال كردفان قبل أن تجبره الحرب على ترك عمله وعائلته والهجرة آلاف الكيلومترات شمالاً بحثاً عن الذهب. يعمل الآن مع مئات آخرين في بئر واحدة بنظام ورديات، يستخدمون وسائل بدائية في حفر عشوائي. يقول الفكي إنهم لم يجدوا شيئاً حتى الآن، لكنه يأمل في تغيير أحواله الاقتصادية.
الحقيقة أن الخيار ليس طموحاً بل بقاء. الحرب أنهت فرص العمل، والاقتصاد انهار. التعدين الأهلي صار يشكل حوالي 80% من إنتاج الذهب السوداني، وهو يعمل كمصدر رزق سريع لآلاف الشباب والأسر التي لا تملك بدائل.
المخاطر: غياب السلامة والرقابة
الدكتور عبد الرحيم حسن، خبير السلامة العامة، يعزو الانهيارات المتكررة إلى عوامل متعددة. معظم الآبار تُحفر بطرق عشوائية وتفتقر للدعامات الهندسية. العوامل المناخية كالسيول والأمطار الغزيرة تفاقم الوضع، خاصة أن المناجم تقع في مناطق جبلية وعرة. الزيادة الكبيرة في أعداد العمال بعد نشوب الحرب أدت إلى اكتظاظ الآبار بالعمال.
حسن انتقد الرقابة الحكومية بحدة. السلطات تمنح التراخيص وتجمع الرسوم المالية لكنها لا تقوم بالرقابة المطلوبة. السلطات، بحسبه، تتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذه الكوارث.
الحكومة والتحديات الواقعية
لكن المسؤولون الحكوميين يشيرون إلى تحديات هائلة. الرقعة الجغرافية للمناجم اتسعت، والعديد منها يقع في مناطق نائية وجبلية أو على الحدود. ظروف الحرب ضاعفت الأزمة: مؤسسات الدولة توقفت عن العمل والموظفون غابوا، فتراجعت الرقابة بشكل حاد.
البعد الاقتصادي الأوسع
التعدين لا يقتصر على المعدنين التقليديين. حوالي 60 شركة حكومية وخاصة وأجنبية تعمل في الاستكشاف والإنتاج، وسط تنافس على الموارد. السودان يحتل المركز الثالث إفريقياً من حيث الإنتاج، وسجل العام الماضي أعلى إنتاج بلغ 70 طناً رغم استمرار الحرب.
لكن معظم هذا الذهب يُهرّب خارج البلاد عبر مصر وتشاد وجنوب السودان إلى الإمارات. تقارير تشير إلى أن أكثر من 60% من الذهب المهرب من مناطق سيطرة الجيش يصل مصر. الأمم المتحدة وصفت الذهب بأنه مصدر رئيسي لإيرادات الأطراف المتقاتلة وأنه مغذٍ لتأجيج النزاع وتحويل اقتصاد البلاد إلى "اقتصاد حرب".
ردت الدول الغربية بعقوبات: الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حظرتا شراء واستيراد الذهب السوداني، وحظرتا تصدير الزئبق والسيانيد المستخدمة في الاستخراج.
الخيار الأوحد
لكن الفكي وآلاف غيره سيواصلون. يقول: "أعلم أنني أعمل في مناطق خطرة ومعرّض للموت في أي لحظة، لكن الخيار الأسوأ هو العيش مع أسرتي في منطقة تشهد عمليات عسكرية بلا عمل ولا سُبل للخروج. لذا أجرّب حظي، علّ وعسى يتغير وضعي نحو الأفضل".





