تحتل الكلاب مكانة خاصة في الثقافة الشعبية كحيوانات قادرة على التنبؤ بالمخاطر والزلازل قبل حدوثها بفترة. تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لا حصر لها عن "كلاب معجزة" تسحب أصحابها من السيارات قبل ثوانٍ من وقوع حادث أو تنقذهم من مناطق الخطر، وهي مقاطع مصممة بشكل متزايد بواسطة الذكاء الاصطناعي. لكن الأدلة العلمية تضع هذه المعتقدات موضع تساؤل جدي.
تحظى هذه المقاطع بملايين المشاهدات، لكن الخوارزميات تميل إلى مكافأة المحتوى العاطفي بدلاً من الأدلة. يحدث ما يعرف نفسياً بخطأ التأكيد، حيث يتذكر الناس السلوك اللافت للكلب قبل حادث ما، لكنهم ينسون كل المرات التي تصرف فيها بشكل مشابه دون أن يحدث أي شيء. الرغبة العاطفية في رؤية ارتباط خاص بالحيوان الأليف تجعل فكرة امتلاكه "قوة حدس" أكثر إقناعاً من التفسير المنطقي المستند إلى علم الأحياء.
تشير الأبحاث العلمية إلى أن الكلاب تمتلك بالفعل حواساً متطورة تفوق قدرات الإنسان بشكل كبير. تسمع الكلاب ترددات أعلى بكثير وتستجيب بحساسية للاهتزازات وتغيرات الضغط الجوي، كما تمتلك حاسة شم أفضل من البشر بنحو 10,000 إلى 100,000 مرة. دراسات متخصصة أظهرت أن الكلاب قادرة على استشعار أدق التغيرات الكيميائية الحيوية في الجسم من خلال العرق أو الهواء المتنفس، وتلتقط التغيرات الدقيقة في توتر العضلات وإيقاع التنفس ورائحة التوتر لدى الأشخاص المقربين منها.
في دراسة أجراها نيل باول من جامعة كوينز بلفاست، أظهرت 19 كلبة عائلية ردود فعل مختلفة بشكل واضح تجاه عينات العرق المأخوذة من مرضى الصرع قبل النوبة مقارنة بعينات المراقبة. الكلاب المساعدة لمرضى السكري أو السرطان لا تعتمد على قوى خارقة، بل على إشارات فسيولوجية محددة مثل معدل ضربات القلب وأنماط المركبات العضوية المتطايرة التي تعكس الحالة الصحية للشخص.
يشرح خبير علم النفس الكندي ستانلي كورين من جامعة كولومبيا البريطانية، وهو رائد في أبحاث الكلاب: "تبدو العديد من القصص عن الكلاب التي تتنبأ بالكوارث خارقة للطبيعة لكن يمكن تفسيرها في الغالب من خلال حواسها الاستثنائية". يمكن للكلاب مثلاً سماع الأصوات الأولى لانهيار طبقات الصخور عند الزلزال وهي أصوات تتجاوز حدود السمع البشري بكثير. كما تستشعر مصادر الحرارة وتلتقط أدنى درجات عدم الاستقرار من خلال مستشعرات اللمس الدقيقة بين باطن قدميها، مما قد يجعلها تتصرف بقلق قبل أن ينزلق جسم أو قبل اهتزاز السطح.
أجرى فريق بقيادة مارتن ويكلسكي من معهد ماكس بلانك دراسة زودوا فيها الأبقار والأغنام والكلاب في إيطاليا بأجهزة استشعار ولاحظوا قبل عدة زلازل زيادة واضحة في النشاط، خاصة عند الحيوانات في الحظائر. يؤكد ويكلسكي أن هذا "ليس حدساً، بل استجابة لمحفزات فيزيائية". غير أنه لا يمكن استخلاص تنبؤ موثوق من ذلك، وعلى سبيل المثال التحذير من حوادث السيارات يبدو مستحيلاً عملياً إلا ربما عندما يتعلق الأمر بتوتر أصحابها.
بالنسبة للحوادث اليومية مثل حوادث السيارات والحرائق، لا توجد دراسات موثوقة تثبت أن الكلاب تتنبأ بها مسبقاً. غالباً ما يمكن تفسير الحكايات المشهورة بالصدفة أو التفسير اللاحق. الكلاب قد تلاحظ أصواتاً غير عادية مثل صرير الإطارات أو توتر أصحابها قبل ثوانٍ من إدراكنا، وعند النظر للوراء من السهل اعتبار سلوك التوتر كالهاث والنباح تحذيراً مسبقاً. الفصل الحقيقي بين الأساطير والقدرات الفعلية يتطلب بيانات دقيقة وأجهزة قياس علمية وليس مشاهدات عابرة.










