السبت 19 سبتمبر 2026

إفادات النجاح بلا امتحانات في لبنان: إنقاذ أم تهديد لمستقبل الطلاب؟

المصدر: الجزيرة

إفادات النجاح بلا امتحانات في لبنان: إنقاذ أم تهديد لمستقبل الطلاب؟
شارك الخبر:

لم يكن آدم ينتظر ورقة أسئلة بل قراراً ينهي أشهراً من الترقب والانتظار. فقد تبدّلت مواعيد الامتحانات الرسمية مراراً، بين تأجيل وآخر، ومن حديث عن تقليص المواد إلى إمكان إجراء الامتحانات، قبل أن يُحسم الأمر أخيراً بإلغائها ومنح الطلاب إفادات نجاح. أكمل عام دراسي كامل في لبنان دون ورقة أسئلة واحدة أو قاعات امتحان، لكن الجدل الذي أثاره هذا الواقع لم ينتهِ بعد.

تنفّس آدم الصعداء بعد أسابيع من القلق، لكن ارتياحه لم يكن كاملاً. فمع انتهاء ضغط الامتحان ظهر سؤال أكثر إلحاحاً: إذا لم يُختبر الطلاب فمن سيقيّم مستواهم الأكاديمي؟ وهل تبقى الشهادة اللبنانية محتفظة بقيمتها في ظل غياب المحطة التي لطالما اعتُبرت معيارا للانتقال من المدرسة إلى الجامعة؟ يقول آدم: "فرحنا لأننا لم نكن قادرين على الدراسة بصورة طبيعية، لكننا في الوقت نفسه شعرنا بالحزن لأننا لم نتمكن من إثبات مستوانا الحقيقي مقارنة ببقية الطلاب". كما يضيف أن الحرب لم تحرمهم من الصفوف الدراسية فقط، بل من وضوح الرؤية أيضاً بعدما عاشوا أشهراً من عدم الاستقرار.

أنهى آلاف الطلاب في لبنان عاماً دراسياً غير مسبوق من دون الجلوس إلى الامتحانات الرسمية، بعدما أقرّ مجلس النواب قانوناً يمنح إفادات لطلاب الصف التاسع والثانوية العامة والتعليم المهني بمختلف فروعه، في ظل الظروف الأمنية التي فرضتها الحرب. لم يكن القرار وليد لحظة، بل جاء بعد أسابيع من النقاش بين وزارة التربية والتعليم العالي والهيئات التعليمية ولجنة التربية النيابية حول إمكان تنظيم هذا الاستحقاق في ظل الحرب والنزوح والتفاوت الكبير بين المدارس.

كان مجلس الوزراء قد اتجه بداية إلى إلغاء الامتحانات مع شروط تتعلق بعلامات نصف السنة: معدل 9.5 من 20 للثانوية العامة و10 من 20 للشهادة المتوسطة. لكن هذه الشروط أثارت اعتراضات واسعة، خصوصاً في التعليم الرسمي، حيث لم يتمكن عدد من الطلاب من تقديم امتحانات الفصل الأول أو استكمالها بسبب الظروف الأمنية، مما طرح تساؤلات حول مدى عدالة هذا المعيار.

يرى مقرر لجنة التربية والتعليم النيابية، النائب إدغار طرابلسي، أن قرار إلغاء الامتحانات كان الخيار الأكثر عدالة في ظل الظروف القائمة. يؤكد أن تنظيم امتحانات رسمية في ظل الحرب كان "غاية في الصعوبة"، واعتماد نتائج الفصل الأول معيارا للنجاح كان سيؤدي إلى ظلم عدد كبير من الطلاب. يصف طرابلسي القرار بأنه "الكأس المر" لكنه يشير إلى أن لبنان سبق أن لجأ للإفادات في ظروف استثنائية، ويرفض الطرح القائل إن الإفادات ستؤثر حتما في مستقبل الطلاب، موضحاً أن الجامعات لا تعتمد على الشهادة وحدها بل على السجل الدراسي والامتحانات وقد تفرض مقابلات لتحديد مستوى الطالب.

من جهته، يرى الأستاذ الجامعي حسين جواد أن تدخل مجلس النواب جاء لتصحيح خلل نتج عن القرار الحكومي السابق. يؤكد أن اشتراط معدل 9.5 كان سيحرم آلاف الطلاب، خصوصاً ممن لم يتمكنوا من استكمال امتحانات الفصل الأول أو لم تكن تلك الامتحانات تعكس مستواهم الحقيقي. يقرّ بأن إلغاء الامتحانات قد يترك أثراً على التحصيل العلمي بسبب فاقد تعليمي، لكنه يرى أن هذا النقص يمكن تعويضه في المرحلة الجامعية، مستشهداً بتجربته الشخصية حيث حصل على إفادة عام 1978 قبل أن يكمل دراسته حتى أعلى الدرجات الأكاديمية. أما الطلاب غير المؤهلين، فسيكون الامتحان الحقيقي في الجامعة، لأن الطالب غير القادر لن يتمكن من الاستمرار.

في المدارس الرسمية تبدو الصورة أكثر تعقيداً. تقول معلمة اللغة العربية والفرنسية مريم عقيل إن قرار الإلغاء كان صائباً بالنظر للظروف الأمنية، لأنه حقق عدالة بين طلاب عاشوا ظروفاً تعليمية مختلفة، من منتظم إلى نزوح أو تعلم عن بعد. لكنها تشير إلى أن بعض الطلاب قد يتأثرون، خصوصاً أن عدداً من الجامعات يعطي أهمية للشهادة الرسمية. تؤكد أن الطالب المجتهد سيثبت نفسه في الجامعة، لكنها تشدد على ضرورة معالجة الفاقد التعليمي حتى لا يتحول أثر الأزمة إلى عبء طويل الأمد.

رغم ارتياح كثير من الطلاب، فإن القلق بشأن المستقبل لم يختفِ. كان آدم يأمل أن تكون الثانوية العامة فرصته الأولى لخوض امتحان رسمي كامل يثبت مستواه. يقول إن الإفادة لا تعكس الفروق بين الطلاب، لأن الامتحان كان يتيح التمييز بين من اجتهد ومن لم يستعد بالشكل المطلوب. مع ذلك لا يعتقد أن قرار هذا العام وحده سيفقد الشهادة قيمتها، ملاحظاً أن الامتحانات نفسها بدأت تفقد صرامتها بفعل الأزمات الاقتصادية وكورونا قبل الحرب. لكن قلقه الأكبر لا يرتبط بالإفادة، بل بعدم حصوله على كامل التحضير للجامعة، لأن جزءاً من المنهج لم يُستكمل واضطر للاعتماد على الدراسة الذاتية.

المزيد حول هذا الموضوع

المزيد في ثقافة وأدب