السبت 19 سبتمبر 2026

الكاميرا درع للحماية.. كيف يوثّق الصحفيون معاناة ضحايا الكراهية؟

المصدر: الجزيرة

الكاميرا درع للحماية.. كيف يوثّق الصحفيون معاناة ضحايا الكراهية؟
شارك الخبر:

في زمن تواجه فيه الصحافة اتهامات متزايدة بالتدخل والانحياز، أعادت مجلة جامعة كولومبيا للصحافة تسليط الضوء على وظيفتين متناقضتين ظاهرياً لكنهما تمثلان جوهر العمل الصحفي: حماية الحقيقة عبر التوثيق، ومنع تضليل الجمهور عبر الدقة في نقل الوقائع. وجسّدت هاتان الوظيفتان نفسهما في قصتين مختلفتين، إحداهما عن مصور شاب منح ضحية شعوراً بالأمان، والأخرى كشفت كيف أدى حذف كلمة واحدة من عنوان صحفي إلى تضليل ملايين الأشخاص.

في الرابع من يوليو الماضي، كان فين غوميز، البالغ من العمر 23 عاماً ويقضي أسبوعه الأول متدرباً في وكالة غيتي إيميجز، يجوب شوارع واشنطن بحثاً عن صور ميدانية. تلقى تنبيهاً من محرره بوجود مسيرة لعناصر جماعة "باتريوت فرونت" اليمينية المتطرفة قرب الكابيتول، فتعقب المجموعة حتى محطة مترو وصعد إلى عربة امتلأت بمئات المتظاهرين الملثمين. هناك لفت انتباهه روزويل إنسينا، أميركي من أصل فلبيني، كان محاصراً داخل العربة وسط أفراد الجماعة.

لم يبدأ غوميز بالتصوير مباشرة، بل عرّف بنفسه أولاً وسأل إنسينا إن كان يوافق على التقاط صور له. فأدرك الرجل من اللحظة الأولى أن وجود المصور لم يكن لاستغلال الموقف، وإنما لتوثيقه. خلال رحلة استمرت سبع محطات، واصل المصور إرسال الصور إلى غرفة الأخبار، بينما توثق المشهد الذي انتشرت صوره لاحقاً في وسائل إعلام حول العالم. ما أعطى إنسينا شعوراً بالحماية هو مجرد وجود شخص يوثق ما يحدث؛ فقد شعر أن هناك شاهداً على ما يجري، وأن الحقيقة لن تضيع.

لكن التقرير عرض وجهاً آخر من تأثير الصحافة، كاشفاً كيف يمكن لخطأ صغير في صياغة عنوان أن يقود إلى موجة تضليل واسعة. بدأت القصة بورقة بحثية من بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس درست تأثير الهجرة غير النظامية بين عامي 2021 و2024 على سوقي العمل والإسكان. خلصت الدراسة إلى أن الهجرة أسهمت في نحو 30% من الزيادة في أسعار المنازل، و20% من الزيادة في الإيجارات، لكنها لم تقل إن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 30% بسبب الهجرة—فرق جوهري في المعنى.

غير أن صحيفة نيويورك بوست، عند إعادة نشر الخبر، حذفت كلمة صغيرة هي "من" في عنوانها، ليصبح المعنى أن الهجرة "تسببت في ارتفاع أسعار المنازل بنسبة 30%". رغم أن الفرق لا يتجاوز كلمة واحدة، غيّر هذا مضمون الدراسة بالكامل. انتشر العنوان المضلل بسرعة عبر منصة إكس، ثم أعاد نشره الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصته، واستشهد به نائب الرئيس جي دي فانس ووزارة الأمن الداخلي وعدد من المسؤولين، معتبرين إياه دليلاً على سياسات الهجرة في عهد الرئيس السابق جو بايدن.

حصد المنشور ملايين المشاهدات قبل أن ينتبه عدد محدود من المتخصصين إلى الخطأ ويبدؤوا بمحاولة تصحيحه. عدلت نيويورك بوست عنوانها لاحقاً، وحذفت فوكس منشوراً آخر كرر الخطأ، لكن النسخة المضللة كانت قد انتشرت بالفعل على نطاق واسع، وظل المنشور الأصلي على إكس يجمع الإعجابات وإعادات النشر حتى بعد التعديل.

تلتقي القصتان رغم اختلافهما عند جوهر واحد: قوة الصحافة. في الحالة الأولى، منحت الكاميرا شخصاً محاصراً شعوراً بأن هناك من يشهد على ما يتعرض له، وأن الحقيقة لن تختفي. أما في الثانية، فكشف غياب كلمة واحدة كيف يمكن لعنوان غير دقيق أن يعيد تشكيل النقاش العام ويغذي خطاباً سياسياً يصل إلى أعلى مستويات السلطة قبل أن يتمكن التصحيح من اللحاق به. وبين هذين المثالين، تذكّر القصتان بأن قيمة الصحافة لا تكمن فقط في سرعة النشر أو قوة الصورة، وإنما في الدقة والمسؤولية، لأن الكلمة والصورة قد تحميان شخصاً، أو قد تغيران فهم ملايين الأشخاص للواقع.

المزيد حول هذا الموضوع

المزيد في ثقافة وأدب