تواجه جهود إعادة الأمن في هايتي تحديات معقدة من مجموعات مسلحة محلية تعرّف نفسها بـ "كتائب الدفاع عن النفس". هذه التنظيمات، التي تشكلت في الأصل لمواجهة عصابات إجرامية، باتت تمثل عقبة رئيسية أمام محاولات استعادة الاستقرار الأمني في البلاد. المشكلة لا تقتصر على البعد الأمني وحده، بل تتعداه إلى جوانب سياسية وإنسانية معقدة.
نشأت هذه المجموعات الدفاعية كرد فعل طبيعي على انتشار العنف العصابي الذي عم هايتي. غير أن تطورها التدريجي وتسلحها جعلها تتحول تدريجياً من قوة دفاعية محلية إلى جهات فاعلة سياسية وأمنية مستقلة بمصالح خاصة. تشير التقارير إلى أن العصابات والميليشيات المحلية تحتفظ بقدرة تنظيمية عالية، وتشن هجمات منسقة، وتسيطر على ممرات اقتصادية رئيسية ومناطق زراعية.
التفاصيل الأمنية
الوضع الأمني في البلاد متدهور للغاية، خاصة في العاصمة بورت أو برنس. تشير التقارير الحديثة إلى أن العصابات تسيطر على نحو 90 في المئة من العاصمة والمنطقة الحضرية المحيطة بها، وقد توسعت أيضاً إلى ثلاث محافظات من أصل عشرة. تحاول قوة مدعومة من الولايات المتحدة وحصلت على تفويض من الأمم المتحدة الآن استعادة الأمن والسيطرة الحكومية على الشوارع. لكن وجود هذه الكتائب المسلحة المحلية يجعل المهمة أكثر تعقيداً وخطورة.
فهذه المجموعات قد تتعاون أحياناً مع قوات إعادة الأمن، لكنها قد تعارضها في أحيان أخرى حسب مصالحها الخاصة والمحلية. المشكلة تكمن في أن هذه الكتائب لا تخضع لسلطة مركزية موحدة، مما يجعل التنسيق معها صعباً وغير موثوق. كما أن وجودها المستمر يعيق بناء هياكل أمنية حكومية قوية وشرعية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه المهمة الأمنية المدعومة من الأمم المتحدة عجزاً واضحاً في الأفراد والتمويل، حيث أن القوة المنتشرة على الأرض أقل بكثير من الحجم المصرح به من قبل مجلس الأمن.
الأزمة الإنسانية
الانتهاكات الواسعة النطاق تتصاعد بشكل مقلق في أنحاء البلاد. تشمل هذه الانتهاكات قتل جماعي وعنف جنسي وتجنيد أطفال، مع نزوح داخلي وصل إلى نحو 1.4 مليون شخص. الأزمة الإنسانية تزداد سوءاً مع صعوبات كبيرة في إيصال المساعدات بسبب إغلاق الطرق والعنف المستمر. علاوة على ذلك، أفادت الأمم المتحدة بإعادة نحو 200 ألف شخص قسرياً إلى هايتي منذ بداية 2026، الأمر الذي يزيد الضغط على بلد يعاني أصلاً من انهيار أمني وإنساني.
المسار المطلوب
تؤكد الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أن الحل يحتاج مساراً ثلاثياً يجمع بين الإجراءات الأمنية والسياسية والإنسانية في الوقت نفسه. المصادر الأممية تضغط باتجاه دمج الأمن مع المسار السياسي، وتحذر من أن العصابات ما زالت قادرة على الهجوم والتنظيم. منظمات حقوقية تؤكد أن الدعم الخارجي لم يُترجم بعد إلى قدرة كافية للشرطة على حماية السكان، بسبب نقص التمويل واللوجستيات والقوة البشرية.









