تعد ملحمة "الأوديسة" لهوميروس، التي يعود تاريخها إلى نحو 2800 عام، عملاً يتجاوز بكثير كونه مجرد قصة تقليدية عن البطولة. فبطل الملحمة، أوديسيوس، وإن كان رجلاً يتجسد فيه الطابع البطولي، إلا أن أحداث القصة تتشكل بفعل خطط ومؤامرات وإغراءات تنسجها نساء وحوريات وساحرات وإلهات يلتقي بهن خلال رحلته. وقد أعيد اقتباس هذه الملحمة حديثاً للعرض على شاشة السينما، وذلك ما يضفي على القصة طابعاً إنسانياً بالغ الوضوح.
تحكي الملحمة قصة جندي يوناني أسطوري يدعى أوديسيوس يسعى إلى العودة إلى مملكته إيثاكا بعد سنوات من القتال في حرب طروادة. وتمتلئ رحلته، المحفوفة بالمخاطر، طوال عشر سنوات، بتحديات ومصاعب شديدة. على الرغم من أن الشخصية المحورية للقصة رجل، فإن الملحمة عمل تتصدر فيه النساء المشهد بقوة حقيقية. فمسعى البطل للعودة إلى مملكته يتشكل في كل منعطف بفعل خطط وإغراءات تصنعها نساء وحوريات وإلهات يعترضن طريقه.
تبدأ الملحمة بأوديسيوس باكياً على ساحل جزيرة أوغيجيا، بعد قضاء سبع سنوات مع الحورية كاليبسو. وبرغم أنه برهن على بطولته في ميدان القتال، فإنه يبدو الآن في غاية العجز. غير أن أوديسيوس ليس أسير كاليبسو بقدر ما هو أسير ذاته، وقد اعترف صراحة بأن زوجته بينيلوبي لا تضاهيها جمالاً. لم تكن بينيلوبي سلبية طوال فترة غياب زوجها، بل قاومت ببسالة ودهاء محاولات 108 خاطبين احتشدوا في القصر طمعاً في الزواج منها واعتلاء العرش. وكان نسج بينيلوبي لكفن والد زوجها ليايرتيس، ثم فكها ليلاً، من أكثر مشاهد الملحمة رسوخاً في الذاكرة.
من أبرز مؤيدي أوديسيوس بين الآلهة كانت الإلهة أثينا، بما عُرفت به من ذكاء استراتيجي. ساعدته في حرب طروادة، وكانت صاحبة المبادرة في حثه على عودته إلى وطنه. عندما دفعته الأمواج إلى أرض الفياشيين وهو في حالة ضعف، خططت بمهارة عملية لإنقاذه. كما أخفت مظاهر ضعفه وأضفت على هيئته مزيداً من البهاء حتى بدا أشبه بإله. من اللافت أن أثينا، في معظم ظهوراتها، كانت تتخذ هيئة رجل، إدراكاً منها أن الرجال هم أصحاب السلطة الظاهرة في العالم البشري، فيما النساء هن من يوجهن مجرى الأحداث عبر الحيلة والدهاء.
تتسم الشخصيات النسائية التي يلتقي بها أوديسيوس بطابع خاص. تنتظره السيرينات، اللواتي يسكنّ جزيرة نائية تكتنفها الصخور الخطرة، وغناؤهن الحلو العذب قادر على إغراء الرجال واستدراجهم إلى الموت. أمام السيرينات يمتد مرج تكسوه عظام الرجال الكثيرين الذين توقفوا لسماع غنائهن. كانت سيرسي أيضاً مثالاً للجمال الخطِر، فهي ساحرة تمتلك أعشاباً وعقاقير سحرية تستطيع بواسطتها تحويل الرجال. لكن سيرسي، مثل كثير من الكائنات التي يصادفها أوديسيوس، لم تكن عائقاً فحسب، بل كانت عوناً له أيضاً. فعلى الرغم من أنها اتخذته عشيقاً، إلا أنها هيأت له النزول إلى العالم السفلي حيث التقى بالعرّاف تيريسياس الذي أعطاه إرشادات لازمة لعودته.
تتمثل الرسالة الأساسية في أن الوحوش الأنثوية والحوريات الفاتنات لا يمكن ببساطة تجاهلهنّ. لكي يحقق أوديسيوس هدفه، كان لا بد أن يخضع لهنّ إلى حد ما، دون أن يتجاوز ذلك الحد. الشخصيات التي يلتقي بها تختبر مراراً قوة عزيمته وقدرته على التحلي بالاعتدال، وهي فضيلة موضع تقدير بالغ لدى الإغريق القدماء. إن ذكاء أوديسيوس وخياله الخصب وعيوبه الإنسانية تجعل منه أكثر أبطال العالم اليوناني القديم إنسانية. وإن قابليته للاستسلام لإغراءات النساء كانت في آن واحد مصدر قوته وسبب سقوطه، مما يفسر لماذا لا يزال يجد صدىً في نفوسنا حتى اليوم.










