أشارت صحيفة «فايننشيال تايمز» إلى أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي نجح في احتواء عدد من الأزمات الاقتصادية العاجلة، غير أن هذا الحل لم يعالج الأسباب الجذرية للمشكلة. وأوضحت الصحيفة أن جزءاً كبيراً من التحديات الاقتصادية التي تواجه المصرف المركزي الأمريكي نشأت عن السياسات الاقتصادية للإدارة الحكومية الحالية. في حين تمكن رئيس الاحتياطي من معالجة بعض الأعراض الفورية للأزمة، فإن مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الاقتصادية الدولية تظل تحت ضغط كبير.
المشكلة الحقيقية تتجاوز السياسة النقدية البحتة. فقد أظهر استطلاع أجرته «فايننشيال تايمز» على خبراء اقتصاديين أن 89 من أصل 94 متخصصاً قالوا إن الخلاف الجاري بين الإدارة والفيدرالي قد أضر بالفعل بمصداقية البنك المركزي. وأوضح الاستطلاع أن المشكلة لم تعد مقتصرة على النقاشات النظرية، بل بدأت تنعكس على الأسواق والأسعار.
التفاصيل
كشفت النتائج أن 82 بالمائة من المشاركين في الاستطلاع قالوا إن الأسواق المالية لم تُسعّر بالكامل أو لم تُسعّر إلا جزئياً تأثير تدخل البيت الأبيض في شؤون الفيدرالي. وأضاف 12 بالمائة إضافية أن هذا التأثير لم ينعكس حتى الآن في الأسواق على الإطلاق، مما يشير إلى أن الصدمات الاقتصادية قد تكون أقسى مما يتوقعه المستثمرون حالياً.
لا تقتصر مؤشرات الأزمة على الاستطلاعات النظرية. فقد شهدت الأشهر الماضية حدثاً بارزاً تمثل في إقالة ليزا كوك، عضوة مجلس محافظي الفيدرالي، بشكل فوري في أواخر أغسطس. وعادت كوك لطعن هذا القرار أمام المحكمة، ما أسفر عن حالة من الالتباس حول درجة استقلالية البنك المركزي الأمريكي.
الآثار المتوقعة
يحذر الخبراء من أن ضربة المصداقية قد تؤدي إلى عواقب اقتصادية جسيمة. إذا استمرت الضغوط السياسية على الفيدرالي، قد يرتفع التضخم ويضعف الثقة في الدين الحكومي الأمريكي، خاصة وأن الاحتياطي الفيدرالي يعتبر أكثر البنوك المركزية تأثيراً في العالم. وأي شك في استقلاله قد يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على عوائد سندات الخزانة الأمريكية البالغة قيمتها 31 تريليون دولار.
أشار ألبيرتو موسالِم، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، إلى أن بيع سندات الخزانة أشار إلى ضرورة حتمية أن يكسب الفيدرالي "مصداقيته" في مكافحة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة. وهذا يعكس الحلقة المفرغة التي يواجهها البنك المركزي: فهو بحاجة لاستعادة الثقة، لكن القيام بذلك قد يتطلب إجراءات قد لا تحظى بتأييد سياسي.
السياق الأوسع
يرى عدد من الاقتصاديين أن المستثمرين يبالغون في الاستهانة بخطر تدخل الإدارة الحالية في عمل الفيدرالي. وقد وصفت التقارير نهج التواصل الحالي من قيادة البنك المركزي بأنه "ارتدّ عكسياً" وأثار قلقاً بشأن نفوذ الفيدرالي الفعلي في سوق الخزانة الأمريكية. والواقع أن الضرر الذي يشير إليه الخبراء لم يعد مجرد خطر محتمل في المستقبل، بل هو "تآكل" فعلي وملموس في المصداقية يجري على الأرض الآن.





