أثبتت الغارة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة جوية عسكرية سورية أن دمشق لا تزال ساحة تنافس استراتيجية بين القوى الإقليمية، بقيادة إسرائيل وتركيا. وجاء الهجوم على مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب في 18 آب/أغسطس، حيث استهدفت الغارة مدرج المطار ومستودعات التخزين دون إسفار عن وقوع قتلى. اتهمت إسرائيل دمشق بالسماح للقوات التركية باستخدام المطار، بما ينتهك تفاهماً أمنياً سابقاً، بينما رفضت دمشق وأنقرة هذه الاتهامات.
أفسح الهجوم الطريق أمام لقاء بين وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن في 22 آب/أغسطس برعاية أمريكية. كان الهدف من هذه المحادثات، التي جرت للمرة الأولى منذ عدة أشهر، تهدئة الوضع بعد الهجمات الإسرائيلية ومنع امتداد التوترات بين إسرائيل وتركيا إلى الأراضي السورية. وانتقدت الولايات المتحدة الهجوم الإسرائيلي بوصفه "تصعيداً غير ضروري"، مما دعم حليفيها الآخرين في أنقرة ودمشق من الناحية الخطابية.
الخلفية
تعكس هذه الحوادث العسكرية المتكررة الطبيعة المعقدة للوضع السوري الحالي. ففي ربيع عام 2025، ذكرت وكالة رويترز نقلاً عن مصادر أن تركيا قد تفقدت على الأقل ثلاث قواعد جوية في سوريا وتريد نشر قواتها فيها ضمن إطار اتفاقية دفاع مشترك. وقد صاحب ذلك الوقت موجة من الغارات الجوية الإسرائيلية. تركيا تدعم الرئيس المؤقت أحمد الشرع وتراهن على وحدة سوريا، حيث بدأت الولايات المتحدة في صيف 2025 بتخفيف العقوبات على البلاد تدريجياً. وفي نوفمبر 2025 استقبل الرئيس الأمريكي ترامب الرئيس الشرع في البيت الأبيض، ثم التقيا مجدداً على هامش قمة الناتو في أنقرة في يوليو 2026.
مخاوف إسرائيل الاستراتيجية
تعتبر إسرائيل أي وجود عسكري تركي محتمل في سوريا خطاً أحمر. برّرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية المقرّبة من إسرائيل الهجوم بقولها إن إسرائيل تخشى أن تستغل أنقرة وجودها في سوريا "كمنصة للضغط على إسرائيل أو تهديدها". غير أن هذا التفسير يبدو قاصراً بحسب الخبيرة الألمانية بينته شيلر من مؤسسة هاينريش بول، التي تؤكد: "لا توجد حتى الآن أدلة على تخطيط تركيا لنشر قوات هناك". وترى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى تطور يتجاوز سوريا: "إسرائيل تدرك بكل تأكيد كيف تحاول تركيا حالياً ترسيخ وجودها إقليماً كقوة مهيمنة". ولذلك يمثل الهجوم على مطار أبو الظهور "بوضوح أيضاً رسالة إلى تركيا".
يرى الخبير الألماني ماركوس شنايدر، مدير المشروع الإقليمي السلام والأمن في بيروت بمؤسسة فريدريش إيبرت، أن خلف الهجوم يكمن السؤال حول النظام العسكري الذي سينشأ في سوريا مستقبلاً. تريد إسرائيل إبقاء سوريا ضعيفة، لأن سوريا كدولة ذات سيادة تسيطر على مجالها الجوي ستقيّد حرية إسرائيل في تنفيذ عملياتها العسكرية. يقول شنايدر: "الممر الجوي للهجوم على إيران يمتد عبر سوريا"، ولذلك فإن سوريا كدولة ذات سيادة يمكنها أن تعيق إسرائيل استراتيجياً. وقد أقامت إسرائيل بعد سقوط الأسد منطقة أمنية شمال هضبة الجولان وتشن هجمات متكررة على أهداف سورية.
الرؤية التركية والتنافس الاستراتيجي
وصفت مؤسسة كارنيجي الأمريكية الوضع بأنه تنافس استراتيجي بين إسرائيل وتركيا: "شمال شرق سوريا هو الساحة المركزية التي تتصادم فيها رؤيتان استراتيجيتان خارجيتان لسوريا". كما تنظر مجموعة الأزمات الدولية إلى سوريا باعتبارها خط صدع بين تركيا الصاعدة وإسرائيل.
يرى شنايدر أن الوجود التركي المحتمل في سوريا لا يمكن مقارنته بالوجود الإيراني السابق في عهد نظام الأسد. على العكس من الرأي السائد في إسرائيل، يعتقد أن أنقرة مهتمة قبل كل شيء باستقرار سوريا وضمان أمن حدودها الجنوبية. ويقول: "فكرة أن تقدم تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو، على مهاجمة القوة النووية إسرائيل تعتبر فكرة سخيفة". المشكلة الحقيقية برأيه أن إسرائيل تنظر بشكل متزايد إلى تركيا كخصم استراتيجي، وتستنتج من قدراتها نوايا عدائية.
تقول شيلر إن الشرع يبحث عن الدعم في السياسة الخارجية حيثما يمكنه الحصول عليه. و"تركيا دخلت في الأشهر الأخيرة وبشكل متزايد إلى دائرة الدول التي تتوقع دمشق الحصول منها على مساعدات". وهذا يتعلق ليس بالأمن فقط، بل برغبة أنقرة في توسيع نفوذها الإقليمي مع الحفاظ على الهدوء في حدودها المشتركة مع سوريا.
السيادة السورية والتحديات المستقبلية
السؤال الجوهري الآن هو: من سيحدد في المستقبل النظام الأمني في سوريا؟ بدّ النظام الجديد يده منذ البداية إلى إسرائيل، على الرغم من أصوله الأيديولوجية. لا تريد دمشق الحرب مع إسرائيل، لكنها تسعى لاستعادة سيادتها الوطنية، وهذا يتعارض مع الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا وخطوطها الحمراء. تقع سوريا الآن بين جارين قويين عسكرياً، لا يحترمان سيادتها ولا حدودها الإقليمية. يتوقف الأمر الآن على مهارات أحمد الشرع التفاوضية: كيف يمكنه الدفاع عن السيادة السورية تجاه هاذين الجارين وإيجاد مسار سوري خاص به.








