كشفت صور الأقمار الصناعية عن حجم الدمار الذي خلفته موجات الحر الشديدة التي ضربت أوروبا الغربية منذ شهر مايو الماضي. وأظهرت الصور التي فحصتها هيئة BBC Verify انكماش الأنهار والأنهار الجليدية، ومناطق محروقة بسبب الحرائق البرية، وحقول زراعية خضراء تحولت إلى أراضٍ جرداء وأخرى قاحلة تماماً. وتأثرت حتى المعالم الأثرية الشهيرة بهذه الموجات، مثل قصر فيرساي جنوب باريس، الذي بدا كأنه جزيرة من الأشجار محاطة بحقول بنية اللون في الصور الفضائية.
أكدت خدمة مراقبة المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي "كوبرنيكوس" أن أوروبا الغربية شهدت أحرّ فترة في يونيو ويوليو على الإطلاق. وحسبما أوضحت هيئة الأرصاد البريطانية، فإن السبب المباشر لموجات الحر كان أنظمة ضغط جوي عالي مستمرة أحضرت سماء صافية ومشمسة سمحت للحرارة بالتراكم. لكن التغير المناخي، الناجم بشكل أساسي عن حرق الوقود الأحفوري، رفع متوسط درجات الحرارة العالمية لعقود من الزمن، مما جعل فترات الحر أكثر احتمالاً وشدة.
شهدت مياه الدانوب، ثاني أطول نهر في أوروبا، انخفاضاً إلى أقل مستوياتها منذ 30 سنة في عدة دول. وأسفر هذا الانخفاض عن اكتشافات غير عادية في قاع النهر، منها عظام ماموث في بلغاريا وحطام سفينة حربية من الحرب العالمية الثانية في صربيا. وأجبرت محطات الطاقة النووية في المجر ورومانيا على الإغلاق أو تقليل إنتاجيتها بسبب عدم القدرة على استخدام مياه النهر للتبريد. وفي نهر الراين، تقطعت بعض سفن الشحن وألغيت رحلات النهر السياحية.
لم تسلم حتى قمم الألب المغطاة بالثلج من تأثير الحر. وتشير القياسات المستمرة إلى أن هذا الصيف قد يصبح أسوأ سنة مسجلة على الإطلاق لذوبان الأنهار الجليدية في الألب، بينما لا يزال هناك أكثر من شهر من الموسم. وساهم فصل شتاء معتدل في توفر غطاء ثلجي أقل من المعتاد بنهاية أبريل، وأدت موجة حر غير عادية مبكرة في مايو إلى تسريع ذوبان الثلج، مما كشف الجليد تحته وعرضه لذوبان أسرع في موجات الحر اللاحقة. وتشير الصور الفضائية إلى أن معظم مقدمة نهر رون الجليدي في سويسرا تراجعت بمسافة 50 متراً أو أكثر منذ نفس الوقت من السنة الماضية. وقال د. لاندر فان تريخت، عالم الأنهار الجليدية في المعهد السويسري الاتحادي للتكنولوجيا، إن التغير المناخي في السنوات الأخيرة أدى إلى "ثلج أقل بكثير في الشتاء وذوبان أكثر بكثير في الصيف"، محذراً من أن "المستقبل يبدو درامياً جداً للألب إذا استمرينا في هذا الاتجاه".
حوّلت الحرائق البرية أجزاء من أوروبا الغربية هذا الصيف بشكل كامل. فقد احترق أكثر من 90 ألف هكتار في فرنسا، مما يجعله أسوأ سنة مسجلة حتى الآن وفقاً لنظام المعلومات الأوروبي حول حرائق الغابات. والحريق الأكبر في منطقة جيروند حيث تقع مدينة بوردو احترق حوالي 42 ألف هكتار من الأراضي، أي ما يقارب حجم جزيرة وايت. وأوضح د. دوغلاس كيلي من المركز البريطاني لعلم البيئة والهيدرولوجيا أن أحد أسباب سوء أحوال الحرائق هذا العام هو جفاف الأراضي الشديد، مشيراً إلى أن الحرائق القاسية تصبح "أكثر وأكثر تكراراً" حيث يخلق التغير المناخي ظروفاً مثالية بدرجات حرارة أعلى تجفف النباتات والتربة بشكل أسرع.
باستخدام مؤشر الفرق المعياري للنبات (NDVI)، وهو مقياس يستخدم بيانات الأقمار الصناعية لتقييم مدى اخضرار النبات وصحته، أظهرت النتائج انخفاضاً في القراءات هذا الصيف عن متوسط خمس سنوات (2021-2025) في حوالي 70% من فرنسا. كما أظهر قريب من نصف المملكة المتحدة وحوالي 40% من غرب ألمانيا النتيجة نفسها. وقال أ.د. أندرو تشالينور من جامعة ليدز إن الصور "متسقة مع إجهاد مائي واسع الانتشار" مما "لا يبشر بالخير"، نظراً لأن معظم أراضي أوروبا مغطاة بالمحاصيل مما قد يؤثر على الصناعة الزراعية والإنتاج الغذائي. وأشار أ.د. لويس سامانيغو من مركز هيلمهولتز لأبحاث البيئة إلى أن رطوبة التربة في أسوأ المناطق المتضررة أقل مما هي عليه في حوالي 98% من التواريخ المقارنة في السجل التاريخي، محذراً من أنه حتى لو عاد المطر فقد تكون بعض الأضرار الزراعية قد حدثت بالفعل.










