نجح الفنان التونسي هادي كنيس في تحويل تجربته الشخصية إلى قصة اندماج ملهمة امتدت لأكثر من أربعة عقود. بدأت رحلته في تونس حيث عمل منشطاً سياحياً، قبل أن يقرر الهجرة إلى ألمانيا بحثاً عن مستقبل جديد. وهناك احترف مهنة البناء وشارك في تشييد عشرات المنازل، ليكسب احترام المجتمع المحلي بفضل التزامه وإتقانه للعمل.
لم يكتفِ كنيس بالنجاح المهني، بل انخرط بالتوازي في النشاط التطوعي وساعد المهاجرين العرب، خاصة أبناء الجالية التونسية، على الاستقرار والاندماج. عمل لسنوات ضمن فرق الإطفاء التطوعية، ويرى أن الاندماج الحقيقي يبدأ ببناء الثقة والمشاركة في الحياة العامة، لا فقط بتعلم اللغة أو الحصول على فرصة عمل.
اليوم، أصبح اسم هادي كنيس جزءاً من قصة نجاح مهرجان غونهايم لفنون الشارع، الذي يحتفل هذا العام بدورته الحادية والخمسين وعشر سنوات على صيغته الجديدة. تحول المهرجان تدريجياً من حدث تراثي مرتبط بالنبيذ إلى مهرجان دولي لفنون الشارع تشارك فيه نحو ثلاثون فناناً من مختلف أنحاء العالم. كان كنيس من أوائل من طرحوا فكرة إدراج الرسم ثلاثي الأبعاد على الأرضيات ضمن الفعاليات، وهي المبادرة التي أصبحت اليوم إحدى أبرز علاماته المميزة.
تتحول شوارع غونهايم الصغيرة سنوياً إلى لوحة فنية مفتوحة، حيث تمتد رسومات ثلاثية الأبعاد على الأرصفة وجداريات تزين واجهات المباني. رغم حجم القرية المتواضع، نجحت في استقطاب آلاف الزوار وأصبحت ملتقى للفنانين والزوار من مختلف الجنسيات، في تجربة تؤكد قدرة الفن على تجاوز الحدود واللغات.
لا يتوقف طموح كنيس عند حدود ألمانيا، فهو يعمل حالياً مع شركائه على إطلاق تعاون بين مهرجان غونهايم ومشروع "جربة هود" في تونس. المشروع التونسي يحول بلدة الرياض بجربة إلى معرض مفتوح من خلال جداريات منتشرة على واجهات المنازل، وأصبح أحد أهم المعالم الثقافية التي يقصدها زوار الجزيرة. تتطلع هذه الشراكة المحتملة إلى تبادل الفنانين بين الحدثين، حيث يشارك فنانون من غونهايم في جربة ويحل فنانون من جربة ضيوفاً على المهرجان الألماني.
من شأن هذه المبادرة أن تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثقافي بين البلدين وتمنح الفنانين العرب حضوراً أوسع في المحافل الدولية. وتؤكد الناشطة الاجتماعية الألمانية سونية هيلر، المتعاونة مع كنيس في هذا المشروع، أن "أجمل أشكال الحوار بين الثقافات تنشأ عندما يجتمع الناس حول الفن".
بعد أكثر من أربعين عاماً على وصوله إلى ألمانيا، لم يعد هادي كنيس مجرد مهاجر نجح في بناء حياة مستقرة، بل أصبح نموذجاً لشخص جعل من تجربته الفردية مشروعاً لخدمة الآخرين. لم يقطع صلته بوطنه الأم، بل جعل منها جسراً للتقارب بين الثقافتين التونسية والألمانية، ليعكس التزامه الحقيقي بدعم التعاون الثقافي بين الشرق والغرب.









