مع إطلالة كل عام دراسي جديد، يعيش المعلمون مشاعر متناقضة بين الآمال العريضة والتحديات الواقعية التي تنتظرهم في الفصول الدراسية. يدخلون غرف الصفوف حاملين رؤى طموحة عن بيئة تعليمية مثالية، لكن الواقع العملي يفرض عليهم معادلة معقدة بين الحماس المهني وضغوط المهنة المتزايدة. بداية العام الدراسي ليست موعداً جديداً في تقويم المدرسة فقط؛ إنها عودة إلى مسؤولية تبدأ قبل قرع الجرس، وربما قبل أن تطأ أقدامهم بوابة المدرسة.
التجارب الواقعية للمعلمين
الأستاذ عبد الله الشيخ، مدرس المرحلتين الابتدائية والأساسية في إدلب بشمال غربي سوريا، يحمل تجربة عشر سنوات في مهنة التعليم. قضى سنوات وسط ظروف قاسية حيث كان القصف والدمار جزءاً من الحياة اليومية، لكنه يحاول عند دخوله الصف أن يترك كل ذلك خلف الباب. يقول: "عندما أدخل الصف أنسى كل شيء، وكأنني دخلت المدينة الفاضلة". كان الصف بالنسبة إليه أكثر من مكان للعمل؛ كان مساحة يحاول فيها استعادة شيء من الحياة الطبيعية، ويمنح طلابه فرصة للانشغال بشيء آخر غير الخوف والحرب.
في الأردن، المعلمة جنى الشيخ، التي تملك أربع سنوات خبرة في التعليم الأساسي بمدرسة خاصة، تتخذ منهجاً مختلفاً. بدأت العام الدراسي برؤية مختلفة: تخطط لعدم إعطاء دروس مباشرة في الفترة الأولى، بل الجلوس مع الطلاب وتعريفهم بعضهم بالبعض وتهيئتهم للمدرسة قبل المنهاج. أما ربا الحسبان، التي أمضت 21 عاماً في التعليم الثانوي بالأردن، فتؤكد أن التفكير بالمدرسة يمتد معها حتى خلال الإجازات، حيث تقول: "أنا لا أشعر بالعطلة حتى".
ما يشغل الذهن قبل فتح باب الصف
قبل أن يفتح الأستاذ عبد الله باب الصف في صباح العام الدراسي، يكون ذهنه قد سبق خطواته. يفكر في اللقاء الأول وفي الوجوه التي ستجلس أمامه. أمامه نحو 30 طالباً في صف واحد، ومئات الوجوه في أروقة المدرسة وساحتها؛ لكل منها شخصيتها وأسئلتها ومخاوفها. يتخيل من سيحتاج إلى مزيد من الاهتمام ومن سيجلس صامتاً في المقعد الخلفي.
يؤكد عبد الله أن الفكر يكون مشغولاً أكثر بترتيب هذا اللقاء الأول، معتبراً إياه "الفاصل الذي يدوم طوال العام الدراسي". لا يفضل البدء مباشرة بالدرس، بل بالترحيب والتعارف والحديث عن اشتياق الطلاب للمدرسة وهواياتهم وميولهم. يرى أنه على المعلم أن يقدم نفسه للطلاب بطريقة متوازنة — لا قاسياً ولا متساهلاً بشكل مفرط — وأن تبدأ العلاقة بالابتسامة والترحيب حتى يشعر الطرفان بالراحة.
الخوف والمسؤولية
خلف هذه البداية الهادئة، يحمل عبد الله خوفاً يرافقه طوال العام، وليس فقط في الأيام الأولى. يخشى أن يظلم أحد الطلاب بطريقة ما، أو ألا يتمكن من تقديم الفائدة كما خطط لها. يشير إلى اختلاف مستويات الطلاب والهاجس الذي يرافق ذلك: "أن يبقى الطالب على مستواه دون أن يتحسن". مع الطلاب الجدد، يحاول البدء من دون أحكام مسبقة، إلا إذا كان قد عمل معهم سابقاً ويعرف مستوياتهم وشخصياتهم.
قررت جنى الشيخ موقفاً مختلفاً إزاء القلق. تقول: "لا يوجد قلق، طالما أن الخطة متوفرة". لكن استعدادها لا يقتصر على الخطط والأنشطة؛ فهي تفكر أيضاً في الحالة النفسية للأطفال وتؤكد أن طلاب هذه المرحلة "يحتاجون كثيراً إلى الحنان".
العلاقة الإنسانية قبل التعليم
خلال سنوات التدريس، أدرك عبد الله أن العلاقة الإنسانية تسبق كثيراً من الأساليب التعليمية. يقول: "إذا لم يحب الطالب معلمه، فمن المستحيل أن يتقدم بالشكل المطلوب". المعلم الذي يخلق رهبة بينه وبين الطالب، مهما استخدم من استراتيجيات تعليمية، فلن يحقق الفائدة المرجوة.
عندما سئل عما يريد أن يعرفه طلابه عنه كإنسان قبل أن يكون معلماً، قال إنه يتمنى أن يروا فيه العدل والرحمة قبل كل شيء. يرى أن الطالب "عندما يرى معلمه عادلاً في تعامله مع الجميع دون تمييز، تتعزز ثقته به". إضافة إلى أن يروا فيه الأناقة وحسن الحديث ولباقة الأسلوب.
تتفق جنى معه على هذه الرؤية، قائلة: "أسعى لأكسب الطالب، ثم أبدأ تعليمه". ترى أن نجاح هذه العلاقة ينعكس على الحصة الدراسية والعلاقة مع الأهل؛ فالطالب الذي يحب معلمته وينقل عنها كلاماً إيجابياً لأسرته، يساعد في بناء علاقة أكثر راحة بين المعلم والأهل.
الالتزام رغم الصعوبات
لا يدخل عبد الله الصف حاملاً هموم طلابه فقط؛ فهو يحمل حياته الخاصة أيضاً، لكنه يحاول تركها خلف باب المدرسة. يقول: "الحياة الخاصة لا تخلو من المشكلات، لكن عندما أدخل باب المدرسة أنسى كل شيء وأضعه جانباً". ورغم مرور عشرة أعوام على دخوله المهنة، لا يزال يجد في التعليم شيئاً يصعب تفسيره: "علاقتي بالتعليم علاقة لا أستطيع حتى تفسيرها".
حتى الظروف المادية الصعبة لم تدفعه للتخلي عن المهنة. في سنوات الحرب، كان راتبه "متدنياً جداً ولا يكفي للعيش أو الإنفاق على عائلة"، وعمل ثلاث سنوات متطوعاً. لكن عندما حاول التفكير في وظيفة أخرى، لم يستطع تقبل الابتعاد عن التعليم. بالنسبة إليه، بداية العام الدراسي ليست مجرد عودة إلى العمل، بل عودة إلى مساحة يجد فيها نفسه؛ مساحة يستطيع فيها، ولو لساعات، أن ينسى ما يحدث خارج باب الصف.









