كانت مذكرة التفاهم التي توصلت إليها إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد من المفترض أن تقود إلى مفاوضات تمتد 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي يضع البرنامج النووي والعقوبات في صلبه. لكن بعد نحو شهرين، انحرفت مسارات النقاشات الفعلية نحو ملف مختلف تماماً. اليوم، لا تدور المفاوضات حول نسب التخصيب أو مصير مخزون اليورانيوم بقدر ما تتركز على مضيق هرمز، في تحول فرض سؤالاً أساسياً: أين أصبح الملف النووي، ولماذا تقدم المضيق عليه؟
تضمنت المذكرة، التي تألفت من 14 بنداً، التزام إيران بعدم امتلاك أو تطوير سلاح نووي، والاتفاق على معالجة مصير مخزون المواد المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما نصت على أن يناقش الطرفان مسألة التخصيب والاحتياجات النووية الإيرانية ضمن اتفاق نهائي. وفي المقابل، تضمنت المذكرة إنهاء العقوبات على إيران وفق جدول زمني، وإتاحة الأموال والأصول المجمدة، إضافة إلى إعداد خطة لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
لكن التنفيذ تعثر سريعاً. بعد التوقيع، تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك المذكرة، وتأجلت جولات مخصصة لاستكمال مفاوضات الاتفاق النهائي. أصبح الخلاف بشأن تنفيذ التفاهمات الأولية ـ وفي مقدمتها الوضع في هرمز والحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية ـ يسبق عملياً البحث في الملفات التي أحيلت إلى الاتفاق النهائي. قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن إعادة فتح مضيق هرمز مرتبطة بزوال الظروف التي أوجدتها الحرب، وفي مقدمتها استمرار الحصار البحري الأمريكي. وأكد بقائي أن إيران لا تزال تعتبر نفسها "في حالة حرب"، وأن الظروف اللازمة لاعتبار هرمز ممراً آمناً لم تتوافر ما دام الحصار مستمراً.
تختلف الرؤى بشأن إدارة المضيق. بحسب الرواية الإيرانية الرسمية، لم تمنح مذكرة إسلام آباد واشنطن أي حق في إدارة المضيق، بل تحدثت عن تطبيع حركة الملاحة وضمان أمنها بواسطة الدول الساحلية. أما واشنطن، فتنظر إلى إعادة فتح المضيق أمام الملاحة التجارية دون قيود باعتبارها شرطاً أساسياً للانتقال إلى تسوية أوسع. أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن واشنطن لن تقبل فرض رسوم إيرانية على الملاحة ضمن أي اتفاق نهائي.
المسار الأكثر تقدماً حالياً ليس تفاوضاً مباشراً بين إيران والولايات المتحدة، بل تفاوض إيراني عماني بشأن الملاحة في المضيق. أعلنت الخارجية الإيرانية في الخامس من أغسطس أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي عبر هرمز. وقال مسؤول أمريكي بعد يومين إن تقدماً أُحرز في المفاوضات بين إيران وعُمان وإن واشنطن تتوقع اتفاقاً قريباً. لكن التفاؤل الأمريكي اصطدم مجدداً بالشروط الإيرانية التي تربط إعادة فتح المضيق برفع الحصار والعقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وتعويض إيران عن أضرار الحرب.
الملف النووي لم يسقط من الاتفاق، لكنه أصبح عملياً خلف أزمة التنفيذ. المذكرة ما زالت تنص بوضوح على التفاوض بشأن مخزون اليورانيوم المخصب ومستقبل التخصيب وآليات الرقابة، مقابل مسار لإنهاء العقوبات. لكن هذه المفاوضات لم تنتقل إلى مرحلة تسمح بحسم أي من هذه المسائل حتى الآن. يرى الباحث في العلاقات الدولية محسن فرخاني أن اتساع تأثير هرمز جعله يتقدم على الملف النووي في سلم الأولويات الحالية. وبحسب تقديره، تستخدم إيران موقعها في المضيق لزيادة الضغط على واشنطن وتحسين شروط أي عودة لاحقة إلى طاولة المفاوضات، وتربط استئناف المسار النووي باستجابة الولايات المتحدة للمطالب الإيرانية المتعلقة بالعقوبات والأصول المجمدة والحصار.
ما حدث هو أن ترتيب الأولويات تغير بفعل تعثر التنفيذ. كان الاتفاق يفترض تنفيذ مجموعة من الالتزامات الأولية بالتوازي مع بدء مفاوضات الاتفاق النهائي. لكن انتقل تركيز الأطراف من التفاوض على بنود الاتفاق النهائي إلى محاولة إنقاذ شروط الدخول إليه أساساً. التخصيب والعقوبات والرقابة قضايا تفاوضية ضمن التسوية النهائية، بينما أصبح المضيق اختباراً فورياً لمدى قدرة الطرفين على تنفيذ التفاهم الذي يفترض أن يقودهما إلى تلك التسوية.









