الجمعة 18 سبتمبر 2026

البحر الأسود.. ساحة صراع إمبراطوري جديد يهدد الأمن العالمي

المصدر: الجزيرة

البحر الأسود.. ساحة صراع إمبراطوري جديد يهدد الأمن العالمي
شارك الخبر:

يعود البحر الأسود للظهور كنقطة اشتعال جيوسياسية حساسة بعد توترات عسكرية متكررة أحدثت آثاراً كارثية على السكان والموارد الغذائية العالمية. لكن هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل له جذور عميقة تمتد عبر التاريخ. فقد تصادمت فيه على مر العصور مصالح الإغريق والرومان والبيزنطيين والقوط، وتعاقبت عليه إمبراطوريات عثمانية وحضارات مختلفة. واليوم يستعيد هذا الممر المائي العريق زخمه بصراع جديد تتصارع فيه إرادات الأتراك والروس والأوكرانيين ودول الناتو وأمم أخرى.

الصراع الحالي وليد غزو روسي بدأ في 24 فبراير 2022، عندما شنت موسكو عملياتها العسكرية على الشرق الأوكراني بحجة منع كييف من الانضمام إلى حلف الناتو. وقد خلفت الحرب حتى الآن نحو مليوني قتيل وجريح وفق التقديرات. لكن تأثيراتها تجاوزت الخسائر البشرية لتصل إلى البحر الأسود، حيث يستحوذ الروس والأوكرانيون على 30% من إنتاج القمح العالمي، وهو ما يجعل السفن المحملة بآلاف الأطنان من الحبوب هدفاً للعمليات العسكرية.

التصعيد الحالي يتسم بعشوائية مقلقة. فقد استهدفت الطائرات المسيرة سفناً تجارية مدنية بحجج متضاربة. زعمت روسيا استهداف سفن تحمل إمدادات عسكرية، بينما تقول أوكرانيا إن الهجمات تشمل سفناً بريئة تحمل غذاءً ووقوداً. وقال قائد قوات الأنظمة المسيرة الأوكرانية إن 205 ناقلة تعرضت للقصف في الأسابيع الثلاثة الماضية فقط (130 في بحر آزوف و75 في البحر الأسود). وأظهرت الأرقام أن نحو 35 سفينة تعرضت للضرر خلال يوليو وحده، مما أسفر عن مقتل 23 بحاراً وإصابة أكثر من 40.

الدول الثالثة بدأت تشعر بتداعيات هذا الصراع. أدانت تركيا هجوماً استهدف سفينتين تجاريتين تابعتين لشركات شحن تركية في البحر الأسود بطائرات مسيرة، محذرة من خطر "تصعيد خارج نطاق السيطرة". وفي واقعة أكثر خطورة، تعرضت سفينة إيرانية للهجوم في بحر قزوين مما أسفر عن مقتل بحار إيراني. ردت طهران بلغة حاسمة، معلنة أنها حددت ثلاثة أهداف للثأر قبل أن تتراجع بعد اعتذار أوكراني. وغرقت سفينة تحمل علم غينيا بيساو قبالة ميناء أوديسا، لقي خمسة من طاقمها حتفهم.

التأثيرات الاقتصادية بدأت تظهر على الساحة العالمية. ارتفعت أسعار القمح العالمية بنحو 15% خلال الشهرين الماضيين بسبب اضطراب حركة الشحن. مصر شهدت تراجع وارداتها من القمح إلى 350 ألف طن في يوليو مقابل 400 ألف في يونيو، مما أدى لارتفاع أسعار الطحين والخبز غير المدعوم. تركيا، التي تستورد 80% من احتياجاتها من الفحم الحراري من روسيا، شهدت ارتفاع الأسعار من أقل من 100 دولار للطن إلى حوالي 135 دولاراً.

الخسائر امتدت إلى قطاعات أخرى. صادرات خامات الحديد الأوكرانية تعرضت لضربات موجعة وتوقفت شحناتها إثر الهجمات على السفن. كما انخفضت صادرات كازاخستان عبر محطة خط أنابيب بحر قزوين، وتراجعت الشحنات الموجهة للهند بنسبة 66%. وصفت شركة الاستشارات الأمنية "بالايمون ماريتايم" المخاطر بأنها "بلغت ذروتها مجدداً". وحذرت من أن "جميع السفن التجارية تُعد هدفاً للطائرات المسيرة التي تعمل تحت سطح البحر وعلى سطحه وجواً، بما في ذلك المناطق الساحلية".

المحللون يتوقعون تأثيراً أكبر في الأشهر المقبلة. قال محلل في شركة "Episode 3" أندرو وايتلو إن السوق لا يعكس بالكامل حتى الآن التأثير المحتمل لاضطرابات الصادرات. يأتي هذا التحذير في وقت ينشغل فيه العالم بالتوترات الأمريكية الإيرانية وتأثيراتها على مضيق هرمز، مما يجعل البحر الأسود جبهة منسية تقريباً على الرغم من تهديده المباشر للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي العالمي.

المزيد حول هذا الموضوع

المزيد في العالم