وثقت عدة تقارير حقوقية حملة قمع وحشية شنتها قوات الأمن في طهران خلال الاحتجاجات الأخيرة. أجرت قناة DW (دويتشه فيله) مقابلات مع عدد من الإيرانيين الذين تضرروا جراء تلك الحملة، ليرووا قصصاً عن إصابات دائمة وفقدان للعمل والدراسة، بل وإلى الموت بعد أشهر من المعاناة.
الخلفية
بدأت الاحتجاجات في ديسمبر 2025 بسبب الصعوبات الاقتصادية، قبل أن تتسع رقعتها لتصبح واحدة من أكبر موجات احتجاج واجهها النظام الإيراني. وحسب منظمة العفو الدولية، تحولت الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر إلى مظاهرات واسعة تطالب بحقوق الإنسان والكرامة والحرية وإنهاء حكم الجمهورية الإسلامية. وفي ذروة الاحتجاجات، أدان المجتمع الدولي القمع، حيث هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضربات عسكرية ضد النظام وقال للمتظاهرين إن "المساعدة في طريقها", لكن المساعدة لم تصل.
التفاصيل
واجهت قوات الأمن، التي ضمت عناصر من وزارة الاستخبارات وميليشيات الباسيج التابعة للحرس الثوري، المحتجين بإطلاق النار والضرب. استخدمت قوات الأمن بصورة غير مشروعة الأسلحة النارية والبنادق الهجومية وبنادق الخرطوش المحشوة بالكريات المعدنية، إضافة إلى الضرب ووسائل أخرى. وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن إطلاق النار لم يقتصر على المحتجين فقط، بل طال أيضاً المارة الذين كانوا يتسوقون أو في طريقهم من حفلات أو واقفين أمام أماكن عملهم.
قال الطبيب حميد هيماتبور، نقلاً عن أطباء داخل إيران، إن عدد المصابين بلغ عدة آلاف. الإصابات الأكثر شيوعاً كانت في الرأس والرقبة والصدر، ثم البطن والأطراف. أوضح أن "معظم الإصابات نتجت عن الذخيرة الحية والأسلحة الآلية، وإصابة الرأس والصدر قد تشير إلى إطلاق النار بقصد القتل".
شهادات المصابين
قالت مهلا، امرأة تبلغ 32 عاماً وتعيل ثلاثة أطفال: "كانوا يطلقون النار للقتل. كنت أتمنى لو قتلوني بدلاً من أن يتركوني عاجزة". كانت تعمل في بازار طهران، وفي 9 يناير حاولت إخراج ابنها المراهق من تجمع، قبل أن تصاب برصاص قوات الباسيج وبعشرات الكريات المعدنية. تلقت العلاج في المنزل خوفاً من قوات الأمن، لكن إصاباتها أدت لاحقاً إلى التهابات أجبرتها على طلب العلاج من ممرضين. بعد سبعة أشهر، كانت إصابات ساقها اليمنى ومعصمها لا تزال تمنعها من العودة إلى العمل، فواجهت ضغوطاً مالية وارتفاعاً في الإيجار واضطرت لمغادرة منزلها.
أما مسعود فقد توفي بعد أشهر من معاناة جروح أصيب بها خلال الاحتجاجات. أصيب أولاً بكريات معدنية في الرأس، ثم أطلق عليه عنصر بملابس مدنية النار في الفخذ، قبل أن يركل موضع الإصابة مراراً، ما أدى إلى خلع عظم الفخذ. جمعت عائلته المال لعلاجه في المنزل، لكن الالتهاب ظل يعود وينتشر. في أيامه الأخيرة رفض مواصلة العلاج بعدما شعر بالخجل لأنه أصبح عبئاً على عائلته.
أشكان، الذي كان يبلغ 17 عاماً عندما شارك في احتجاجات طهران، خرج للاحتجاجات في 8 يناير وهو يعمل حمّالاً في بازار العاصمة ويتعلم صناعة المجوهرات. شاهد أحد أصدقائه يُصاب برصاصة في القلب من بندقية قنص. فقد أشكان وعيه، واستيقظ في المستشفى ليكتشف أن ساقه اليسرى قد بُترت تحت الركبة وفقد إحدى عينيه. قال لـ DW: "ما أُخذ مني ليس مجرد ساق وعين، بل لم يعد هناك مستقبل لي ولأمي".
ما بعد الاحتجاجات
اعتقلت قوات الأمن بعض المحتجين وهم داخل المستشفيات لتلقي العلاج. اعتُقل بعض المصابين الجرحى من داخل المستشفيات، بمن فيهم أشخاص كانوا بحاجة إلى رعاية طبية منقذة للحياة. طلبت قوات أمنية في أصفهان من العاملين الطبيين إبلاغها عن المرضى الذين يعانون من إصابات ناجمة عن الأعيرة النارية والكريات المعدنية.
لم تتوقف الإجراءات الأمنية بعد انتهاء الاحتجاجات الواسعة. توثقت منظمة العفو الدولية اعتقالات واسعة واختفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة، إضافة إلى استمرار الضغط على عائلات الأشخاص الذين قتلوا. اعتُقل آلاف الأشخاص بعد عمليات القتل التي وقعت في 8 و9 يناير، وفرضت السلطات حظر تجول ليلياً ونشرت قوات أمن مدججة بالسلاح في الشوارع. تعرضت بعض العائلات التي قدمت شكاوى بشأن إطلاق النار على أقاربها للملاحقة من قوات الأمن.
لا توجد حصيلة نهائية متفق عليها لعدد القتلى. أعلنت السلطات الإيرانية في 21 يناير 2026 مقتل 3117 شخصاً، لكن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، قالت إن عدد القتلى بلغ 5000 شخص على الأقل، وربما يصل إلى 20 ألفاً. ترى منظمة العفو الدولية أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بسبب استمرار حجب الإنترنت منذ 8 يناير، الأمر الذي جعل توثيق الانتهاكات أكثر صعوبة ومنع الضحايا والصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان من جمع المعلومات والحفاظ على الأدلة.








