على جسر أوروبا، يستمر العبور اليومي بين ستراسبورغ الفرنسية وكيهل الألمانية كأن الحدود اختفت تماماً. لكن تشديد الرقابة الألمانية في الآونة الأخيرة أعاد حضور هذه الحدود بقوة إلى المشهد. تحول الجسر، الذي ظل لسنوات رمزاً لحرية التنقل في أوروبا، إلى مرآة تعكس التوتر المتنامي بين قيم الانفتاح والحرية من جهة، وضغوط الأمن والهجرة من جهة أخرى.
نهر الراين الفاصل بين المدينتين لا يمثل مجرد حد جغرافي، بل فضاء تتقاطع فيه يومياً حركة السكان والعمل والتجارة والسياحة. وعلى ضفافه يجسد جسر أوروبا أحد أبرز رموز حرية التنقل في القارة. غير أن الإجراءات الأمنية والرقابة الحدودية عادت تفرض حضورها من جديد بشكل ملحوظ، خاصة من الجانب الألماني.
التفاصيل
خلال الزيارات الميدانية إلى كيهل، كانت صورة الواقع متناقضة. في البداية، بدت حركة العبور محدودة نسبياً عند جسر السيارات، حيث كانت نقطة حراسة ألمانية موجودة لكن لم تطلب إبراز وثائق الهوية من المارة. غير أن هذا لا ينعكس على الواقع الفعلي، حيث يمكن رصد عناصر من الشرطة الألمانية متثبتين من هويات سائقي السيارات القادمين من ستراسبورغ باتجاه كيهل بشكل منتظم.
أما جسر الضفتين المخصص للمترجلين، فكان يعكس صورة أكثر وضوحاً لأوروبا المفتوحة. أشخاص يعبرون سيراً على الأقدام وآخرون على دراجاتهم الهوائية في كلا الاتجاهين، بدون عراقيل ظاهرة. وهذا المشهد يختلف جزئياً عن الواقع المتشدد الذي يسود عند نقاط التفتيش الأخرى، بما فيها محطة ترام كيهل حيث توجد شرطة فرنسية تتثبت أحياناً من هويات الركاب.
الخلفية السياسية والأمنية
تأتي إجراءات التشديد في سياق أوروبي يشهد توتراً متزايداً تجاه الهجرة غير النظامية. أعادت ألمانيا تطبيق ضوابط مؤقتة على الحدود الداخلية منذ 16 سبتمبر 2024، بناءً على أمر من وزارة الداخلية الاتحادية. وقد تعمقت هذه الإجراءات بعد توجيه من وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت بتاريخ 7 مايو 2025.
وفقاً للبيانات الإحصائية من شرطة شتوتغارت، تراجعت أعداد المرحّلين مقارنة بالسنوات السابقة. في يوليو 2026 بلغ عدد المرحّلين حوالي 520 شخصاً، بينما كان العدد 1,122 شخصاً في عام 2021. وتنطبق على هذه الإجراءات أحكام المادة 32 من قانون حدود شنغن، التي تتضمن إمكانية رفض الدخول وفقاً للمادة 14 من القانون نفسه.
وجهات نظر متعددة
ينقسم السكان بين تأييد الإجراءات الأمنية وانتقادها. يرى كريستوف، وهو فرنسي يقيم بالقرب من الجسر، أن وجود حد أدنى من الرقابة ضروري لمنع المهاجرين غير النظاميين من التنقل بدون رادع. يقول: "جميع الأشخاص الذين يعبرون الحدود خلسة ليسوا صادقين أو نزيهين. لذلك يجب ضمان حد أدنى من الأمن".
في المقابل، يعترف ليو، وهو ساكن في ستراسبورغ، بأن هذه الإجراءات قد تكون مزعجة للسكان الذين يعبرون الحدود يومياً للعمل. يقول: "ربما تكون المراقبة ضرورية، لكن أحياناً تكون مزعجة خاصة أنها تتطلب وقتاً كبيراً وقد تعطل وصولنا إلى مراكز العمل بالنسبة للعاملين في ألمانيا".
أما منير، وهو مهاجر مغربي يقيم في ستراسبورغ منذ 12 عاماً ويعمل بين المدينتين، فيرى أن تشديد المراقبة لا يبدو كافياً لمنع المهاجرين غير النظاميين من العبور. يرى أنه "إذا أراد شخص العبور بطريقة غير قانونية، فقد لا تتمكن شرطة الحدود بالضرورة من اكتشافه".
الإطار القانوني
أوضحت الشرطة الاتحادية الألمانية أن إعادة فرض ضوابط الحدود الداخلية ترتب عليها إجراءات قانونية محددة. يمكن رفض دخول الشخص الذي لا يستوفي شروط الدخول مباشرة عند الحدود أو إعادته. والشخص يُعتبر، إلى حين انتهاء إجراءات التفتيش المرتبطة بالحدود، وكأنه لم يدخل البلاد بعد، حتى لو تجاوز خط الحدود فعلياً.
تلتزم الدول المجاورة لألمانيا باستعادة الأشخاص المرفوضين في إطار مراقبة حدود شنغن، دون الحاجة إلى استيفاء شروط أو إجراءات رسمية إضافية. وكفاية الإعلان عن قرار الإعادة كي تُنفذ لاحقاً في مكان تسليم متفق عليه.









