شهدت أوروبا صيفاً قاتلاً لم تشهده من قبل، حيث أسفرت موجات الحر المتطرفة عن وفيات تجاوزت 50 ألف شخص في 854 منطقة حضرية عبر الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والنرويج وسويسرا. يمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 71 بالمئة عن صيف 2022، الذي سجل نحو 29 ألف وفاة.
أظهرت دراسة جديدة أن تغير المناخ كان مسؤولاً عن حوالي ثلثي هذه الوفيات الزائدة، أي ما يقدر بنحو 32,619 وفاة. ينعكس هذا ارتفاعاً مستمراً في دور تغير المناخ؛ فقد كانت نسبته 40 بالمئة فقط في بداية القرن الحالي.
التفاصيل والمؤشرات الحادة
شهدت الفترة من 17 يونيو إلى 1 يوليو موجة حر استثنائية بشكل خاص، حيث وقعت قرابة ثلث الوفيات خلال هذه الفترة القصيرة. ارتفعت درجات الحرارة في هذه الأيام بمعدل 5.3 درجات مئوية فوق المستويات المعتادة، وتجاوزت في بعض الأيام الحد الطبيعي بما يصل إلى 12 درجة مئوية.
شهدت أوروبا الغربية سلسلة متتالية من موجات الحر ما بين يونيو وأغسطس، حيث ضربت دول لم تكن معتادة على مثل هذه المستويات من الحرارة ولم تكن جاهزة لمواجهتها. ومن المهم الإشارة إلى أن الأرقام المذكورة تشمل 40 بالمئة فقط من سكان أوروبا، الأمر الذي يرجح أن يكون العدد الفعلي للضحايا أعلى من الرقم المعلن.
التوزيع الجغرافي والفئات الأكثر عرضة للخطر
توزعت الوفيات بشكل غير متساوٍ عبر القارة. سجلت إيطاليا أعلى حصيلة بـ 13,303 وفاة، تلتها فرنسا بـ 7,268 وفاة، ثم إسبانيا بـ 6,824 وفاة. في ألمانيا، قُدرت الوفيات الزائدة بـ 6,340 وفاة، بينما بلغت في المملكة المتحدة 4,354 وفاة. عاني الدول الشمالية والغربية من صعوبات إضافية لأن بنيتها التحتية لم تُصمم للحرارة الشديدة، وسكانها لم يعتادوا على مثل هذه المستويات.
شكل الأشخاص فوق سن 85 عاماً نحو نصف الوفيات المقدرة، لكن الفئات الأصغر سناً لم تسلم من التأثر. قُدّرت الوفيات الزائدة بنحو 800 حالة بين من تتراوح أعمارهم بين 20 و44 عاماً، وحوالي 6 آلاف وفاة في المجمل بين من تقل أعمارهم عن 65 عاماً.
الأسباب والعوامل المُفاقمة
أعزت الدراسة الحصيلة الكبيرة إلى عوامل متعددة. في أوروبا الجنوبية، اجتمعت مستويات حرارة أعلى مع ضعف البنية التحتية للمساحات الخضراء وارتفاع مستويات تلوث الهواء وقلة نظم الإنذار المبكر من موجات الحر. أشار الباحثون إلى أن الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، وكبار السن جداً، والأطفال الصغار، بالإضافة إلى من لا يستطيع مغادرة المناطق الحارة لأسباب صحية أو اقتصادية، كانوا الأكثر تعرضاً للخطر.
الاستجابة وآفاق المستقبل
دفعت الأزمة السلطات الأوروبية إلى الاستجابة. أصدرت عديد من الحكومات تحذيرات من الحرارة، وشهدت خدمات الصحة ضغطاً غير مسبوق في فصل الصيف. أشار أحد الأطباء في المملكة المتحدة إلى أن الضغط على الخدمات الصحية خلال هذا الصيف عادل ما تشهده عادة خلال موسم حاد من فيروسات الشتاء.
أكد الباحثون على ضرورة تنفيذ تدابير طويلة الأمد. تشمل هذه التدابير زيادة المساحات الخضراء والمائية لخفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء، وتحديث المباني لتتحمل الحرارة الشديدة بشكل أفضل، والاستثمار في ملاجئ مكيفة الهواء. يؤكد الخبراء أن دول أوروبا الشمالية والغربية بحاجة للاستفادة من تجارب أوروبا الجنوبية في التعامل مع الحرارة المتطرفة.
في السياق الأوسع، قدّرت بيانات من مرصد كوبرنيكوس أن 52 بالمئة من سكان أوروبا تعرضوا لإجهاد حراري شديد خلال صيف 2026. مع الحاجة الملحة للانتقال السريع عن الوقود الأحفوري لإبطاء وتيرة الاحترار وتقليل الوفيات المستقبلية.









