أثار ظهور أسد برفقة شاب ليبي على شاطئ مدينة تاجوراء جدلاً واسعاً حول إمكانية تحويل "ملك الغابة" إلى حيوان أليف. الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي أظهر الأسد هادئاً ومطيعاً يستجيب لتوجيهات صاحبه، مما أثار دهشة المصطافين وإعجاب متابعي الفيديو. إلا أن هذا السلوك الهادئ لا يعكس الحقيقة العلمية الخطيرة للتعامل مع هذا الحيوان المفترس.
يؤكد الدكتور محمد عادل قدري، أستاذ علم الحيوان بجامعة القاهرة، أن الخطورة الحقيقية تكمن في الفرق بين الترويض والاستئناس. الأسد وإن كان يمكن ترويضه كما فعل الشاب الليبي، إلا أنه ليس مستأنساً بطبيعته. هذا يعني أنه قد يظهر سلوكاً عدوانياً بشكل مفاجئ، حتى تجاه من قضى سنوات في تدريبه. الاستئناس يتطلب تغييرات وراثية تتراكم عبر آلاف السنين، كما حدث للكلاب والقطط، وليس مجرد تدريب سنوات معدودة.
التاريخ يؤكد هذا الخطر المستمر. عام 1997 توفي مدرب السيرك الأمريكي والتر هنري بعد هجوم أسد عليه أمام جمهور من الأطفال في بنسلفانيا. في عام 2010، تعرض المدرب الأوكراني أوليكسي بينكو لإصابات خطيرة من هجوم أسدين في مدينة لفيف. عربياً، عانت عائلة الحلو الشهيرة من حوادث متكررة: توفي محمد الحلو، أشهر مروضي الأسود في العالم العربي، في الثمانينيات أثناء محاولته الفصل بين أسدين. وفي عام 2004، توفي إبراهيم الحلو متأثراً بإصابات من هجوم أسد، وتعرضت فاتن الحلو لهجوم عام 2015 في طنطا.
القاسم المشترك بين هذه الحوادث أن معظم الضحايا لم يكونوا غرباء عن الحيوان. بل كانوا مروضين وثقوا بأسود تدربوا عليها لسنوات طويلة. لكن هذا الترويض لم يحول الأسد من حيوان مفترس إلى مستأنس، بل ترك غرائزه البرية كامنة تحت السطح.
تشير الدراسات العلمية إلى عوامل عديدة قد تثير السلوك العدواني المفاجئ. دراسة نشرتها دورية "أبلايد آنيمال بهيفير ساينس" أشارت إلى أن وجود الحيوان في بيئة غير مألوفة يعرضه لضغوط بيئية ونفسية تزيد احتمالات ظهور ردود أفعال غير متوقعة. الشاطئ ليس حديقة حيوان منظمة، بل بيئة فوضوية مليئة بالمحفزات: عشرات المصطافين، أصوات الأطفال والبحر والمركبات، وروائح غير مألوفة ودرجات حرارة متغيرة.
دراسة ثانية نُشرت في دورية "أنيملز" أظهرت أن أشبال الأسود المجبرة على التفاعل المستمر مع البشر تُظهر علامات توتر وضغط نفسي متكرر. رصد الباحثون ما يُعرف بـ"السلوكيات النمطية"، حركات متكررة غير طبيعية ترتبط بالإجهاد المزمن. إجبار الأسد على البقاء في تفاعل مستمر دون إمكانية الانسحاب إلى منطقة آمنة يرفع مستويات التوتر والعدوان بشكل كبير.
يختم الدكتور قدري بأن الهدوء والطاعة قد يتحولان فجأة وبدون أي مقدمات إلى سلوك عدواني، استجابة لضغوط قد يراها المروض عادية تماماً، لكنها بالنسبة للأسد غير ذلك إطلاقاً. بهذا المعنى، فإن اصطحاب أسد إلى شاطئ مأهول بالسكان والزوار يمثل ما يشبه "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أي لحظة، مهددة سلامة الجميع.









