تواجه دولة الإمارات أصعب اختبار اقتصادي منذ انتهاء جائحة كورونا، بسبب تداعيات التوترات الإقليمية. يشهد القطاع السياحي تراجعاً ملحوظاً بالتزامن مع موجة من مغادرة الوافدين للدولة. بدأ هذا الواقع بعد الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في نهاية فبراير 2026، وما تبعها من رد إيراني استهدف حلفاء واشنطن، بما فيهم الإمارات نفسها.
الأرقام تعكس حجم الأزمة بوضوح. انخفضت نسبة إشغال فنادق دبي من 80% إلى نحو 10% فقط. بعض الفنادق أغلقت مبكراً للترميم، بينما قدمت منتجعات خمس نجوم عروض إقامة محلية للمقيمين بخصومات تصل إلى 50%. عدد سكان الإمارات يبلغ حوالي 11.8 مليون نسمة، من بينهم 10.4 ملايين من غير المواطنين، وغادر العديد من الأثرياء بحثاً عن الأمان عندما بدأت الصواريخ الإيرانية تسقط.
اتخذت السلطات الإماراتية إجراءات عديدة للتعامل مع الأزمة. في يوليو 2026 أعلنت عن عرض لافت يحصل فيه المقيمون على مزايا بقيمة 800 دولار إذا تمكنوا من جذب زوار حتى أكتوبر 2026. كما أقرت نهجاً أكثر مرونة في قواعد الإقامة الضريبية، يسمح للأفراد البقاء خارج البلاد لفترات أطول دون فقدان وضعهم الضريبي. وخصصت حكومة الدولة حزمة دعم بقيمة 680 مليون دولار لإعفاء الفنادق والمطاعم وبعض المدارس الخاصة من رسوم البلدية أو تأجيل رسوم الترخيص.
لكن الخبراء يشيرون إلى صورة اقتصادية على شقين. من جهة، تتضرر القطاعات الحساسة مثل التجزئة والنقل والتخزين والسياحة. يتوقع الخبير آدم هولدستوك من شركة أوكسفورد إيكونوميكس أن أعداد الزوار الدوليين لن تعود إلى مستويات ما قبل عام 2025 قبل عام 2028. من جهة أخرى، تستمر قطاعات أساسية في الصمود، خاصة الخدمات المالية والأنشطة المرتبطة بالحكومة، مما يخفف من حجم الخسائر الكلية.
مؤشرات القلق تتزايد مع ذلك. توجد توقعات بانخفاض الاستثمار الأجنبي وتراجع الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ الجائحة. حذرت وحدة المعلومات الاقتصادية في 31 يوليو 2026 من أن «خطر تجدد الصراع سيبقي المستثمرين في حالة حذر طوال العام». كما أن العمال ذوي الدخل المنخفض يواجهون وضعاً أصعب، حيث شوهد بعضهم يطرقون الأبواب بحثاً عن وظائف بعد انهيار قطاعي الضيافة والسياحة.
عندما طلب البنك المركزي الإماراتي فتح خط تبادل عملات مع الولايات المتحدة، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الخطوة تهدف لمساعدة الاقتصاد الإماراتي. لكن السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة نفى ذلك، مؤكداً عبر فيسبوك أن «أي إشارة إلى أن الإمارات تحتاج دعماً خارجياً هي قراءة خاطئة للواقع»، وأضاف أن «الإمارات من أكثر الاقتصادات مرونة في العالم». هولدستوك وصف طلب تبادل العملات بأنه «إجراء احتياطي وليس علامة على أزمة»، مشيراً إلى أن القاعدة النقدية انخفضت بنسبة 8% في مارس 2026 لكنها استقرت لاحقاً.
رغم التحديات الراهنة، يتوقع محللون أن الإمارات ستتعافى بعد انتهاء الصراع الإقليمي. يستندون في تقييمهم إلى بيئة تنظيمية جاذبة للأعمال، وموقع الدولة كمركز عالمي للطيران، وقدرتها على جذب أصحاب رؤوس الأموال والمهارات. لكن الباحث ستيفن هرتوغ من كلية لندن للاقتصاد يرى أن السوق يتعامل مع الوضع كمرحلة «مؤقتة»، بينما الحديث عن «تعاف حقيقي» يبقى سابقاً لأوانه طالما غياب نهاية واضحة للصراع.




