يحاول الذهب التعافي من أدنى مستوياته في حوالي أسبوعين، وسط استمرار تبادل الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التعافي يأتي في المقام الأول نتيجة بيانات التضخم الأمريكية التي أظهرت انخفاضاً في أسعار المستهلك بالولايات المتحدة، مما وفّر دعماً للمعدن النفيس بعد فترة من الضغط الشديد.
كان الذهب يخضع لضغوط حادة أبرزها الحرب في الشرق الأوسط التي أدت إلى ارتفاع الدولار الأمريكي، وهناك علاقة عكسية مباشرة بين قوة الدولار وأسعار الذهب. غير أن التعافي الحالي استفاد أيضاً من استمرار مشتريات البنوك المركزية حول العالم، بقيادة بنك الصين الشعبية، للذهب بهدف تنويع الاحتياطيات النقدية.
وصفت رانيا وجدي، خبيرة أسواق المال العالمية، الارتفاع الحالي بأنه "محاولة ارتداد من منطقة دعم نفسية مهمة قرب 4,000 دولار للأونصة، أكثر من كونه بداية لموجة صاعدة جديدة مؤكدة". وأشارت إلى أن هذا الارتداد يعكس عودة عمليات شراء عند المستويات المنخفضة وتغطية مراكز البيع قبيل البيانات الاقتصادية الرئيسية. ومع ذلك، أكدت أن حركة الدولار وعائدات السندات الأمريكية تبقى العامل الأكثر تأثيراً في قدرة المعدن على الصعود.
يرى محللون أن الحرب ليست السبب الوحيد للارتفاع الحالي، بل هناك عوامل متعددة تتزامن. قال محمد حسن زيدان، كبير محللي أسواق المال بشركة كافيو: "الحرب كانت الشرارة التي سرّعت الصعود، لكن هناك توقعات بخفض الفائدة الأمريكية واستمرار مشتريات البنوك المركزية وضعف الثقة في بعض العملات". غير أن الخبراء يحذرون من أن التأثير الفعلي للحرب على الذهب أكثر تعقيداً من مجرد الارتباط المباشر.
هناك مساران متناقضان لتأثير الصراع على الذهب. الأول إيجابي ويتمثل في زيادة الطلب على الأصول الآمنة وسط انعدام اليقين. الثاني سلبي وينتج عندما تؤدي الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط، مما يزيد الضغوط التضخمية ويدفع الأسواق لتوقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما تحقق بالفعل.
إضافة إلى ذلك، هناك عوامل ضاغطة على المعدن قد تعرقل الصعود المستمر. ارتفاع النفط يعزز توقعات المزيد من التضخم، مما يقوي الدولار الأمريكي على حساب الذهب. وشهدت تدفقات رؤوس الأموال على صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب تراجعاً، مما يشير إلى عمليات بيع مكثفة. كما أن عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات ارتفعت إلى 4.62 في المئة، فيما تحرك مؤشر الدولار قرب أعلى مستوياته خلال شهر.
يشدد الخبراء على ضرورة التمييز بين الزخم اللحظي والاتجاه طويل الأجل. يرى زيدان أن "النظرة طويلة الأجل للذهب لا تزال إيجابية، لكنه يمر حالياً بتصحيح متوسط الأجل، والارتفاع الحالي ارتداد قابل للاستمرار لكنه لم يتحول بعد إلى اتجاه صاعد جديد". واتفقت وجدي على أن استمرار الصعود مشروط بضعف الدولار وتراجع العائدات على السندات، أو وقوع تطورات جيوسياسية تعزز طلباً على الملاذ الآمن يتجاوز مخاوف التضخم والفائدة.




