قررت كندا إنهاء المفاوضات التجارية مع الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب في خطوة وصفها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنها دفاع عن السيادة الوطنية. ندّد كارني بالشروط الأميركية المقترحة ووصفها بأنها "صفقة سيئة" من شأنها أن تقوّض استخدام كندا للغة الفرنسية المحمية دستوريا وقدرتها على توقيع اتفاقات تجارية مع دول أخرى. وأكد أن السيادة ليست ثمنا تقبل كندا دفعه، قائلا: "عندما تتعرّض لهجوم فأنت في حالة حرب، وقد تعرّضنا لهجوم".
يطرح الموقف الكندي أسئلة حادة على الاتحاد الأوروبي الذي يواجه هو الآخر ضغوطا أميركية مماثلة. طوال أكثر من عام، حاولت بروكسل التصدي لمطالب ترامب الرامية إلى تفكيك القواعس البيئية ومعايير الاستدامة والتنظيمات الرقمية.
التفاصيل
تحمل هذه المواجهة تكاليف اقتصادية ضخمة على كندا. تشير التقديرات الأولية إلى أن الرسوم الجمركية الأميركية ستطال 20 مليار دولار من السلع الكندية، وتعريض نحو 87 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة للخطر. وأعلن ترامب بالفعل عن حزمة جديدة من الرسوم الإضافية، ما يغذي دوامة الردود الانتقامية بين البلدين.
وفي تموز، توعّد ترامب الاتحاد الأوروبي بأن يدفع "ثمنا باهظا جدا" بعد فرض غرامة على غوغل تبلغ 890 مليون يورو، قائلا: "نتوقع فرض رسوم جمركية كبيرة جدا عليهم في أقرب وقت ممكن".
الخلفية
يتمتع الاتحاد الأوروبي بمزايا تفاوضية أقوى نظريا من كندا. اقتصاد الاتحاد بـ 27 دولة يبلغ 18.8 تريليون يورو، أي أكبر بنحو عشرة أضعاف من اقتصاد كندا البالغ 1.99 تريليون يورو. وبلغ حجم التجارة بين بروكسل وواشنطن 1.77 تريليون يورو العام الماضي، ضعف قيمة التجارة بين كندا والولايات المتحدة. غير أن اعتماد كندا الهيكلي على السوق الأميركية أكبر بكثير، حيث تصدّر نحو 75% من سلعها إلى الولايات المتحدة مقابل 21% فقط من صادرات الاتحاد الأوروبي.
ماذا بعد؟
تمتلك بروكسل أدوات قوية للرد على أي تصعيد أميركي. أعدّت المفوضية الأوروبية قائمة سلع أمريكية بقيمة 93 مليار يورو لاستهدافها في حال الرد الانتقامي، وهي قائمة لا تزال صالحة حتى اليوم. كما لوّح مسؤولون أوروبيون بتفعيل أداة مكافحة الإكراه التي تتيح استبعاد شركات أجنبية من المناقصات العامة أو تعليق الحماية الممنوحة لحقوق الملكية الفكرية بشكل جزئي.
الدافع الرئيسي الذي قد يدفع الاتحاد الأوروبي للانسحاب هو إصراره على حماية حقه في تنظيم الأسواق وفرض القواعد داخل نطاق ولايته القضائية. يرى الأوروبيون أنهم قدّموا تنازلات كافية بقبول رسوم جمركية بنسبة 15% على السلع الأوروبية، ويرفضون الانصياع أكثر لمطالب واشنطن. يقول باحثون إن قرار ترامب شن حرب أحادية على إيران، التي اضطربت معها أسواق الطاقة، عزز عزم الدول الأعضاء على رفع الصوت والرد على البيت الأبيض.
لكن الجرأة على الانسحاب تبقى غير مؤكدة. منذ كشف ترامب عن حزمته الواسعة من الرسوم، تسارعت الدول الأعضاء الـ 27 إلى الاعتصام خلف المفوضية الأوروبية. يشير توبياس غيركه، باحث بارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن رد الفعل سيتأثر ليس بالولايات المتحدة وحدها بل بالصين أيضا، حيث بلغت التوترات التجارية بين بروكسل وبكين مستويات قياسية. يتزايد الاعتقاد في أوروبا بأن الصين تمثّل التحدّي الأشد للأمن الاقتصادي، وقليلون يرغبون في خوض حربين تجاريتين مع واشنطن وبكين في آن واحد.




