الجمعة 18 سبتمبر 2026

كيف استخدمت الصين مخزوناتها النفطية لتعزيز قوتها الجيوسياسية؟

المصدر: الجزيرة

شارك الخبر:

حوّلت الصين اعتمادها الكبير على النفط المستورد من نقطة ضعف استراتيجية إلى أداة تمنحها قدرة أكبر على مواجهة اضطرابات الإمدادات والضغوط الغربية. حققت بكين هذا التحول بعد أن راكمت على مدى سنوات أكبر مخزون نفطي في العالم، بالتوازي مع تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة والمتجددة.

الخلفية

لعقود، شكل اعتماد الصين الكبير على النفط المستورد مصدر قلق استراتيجي لها، خاصة أن معظم الإمدادات يعبر ممرات بحرية يمكن تعطيلها في حال نشوب مواجهة عسكرية. أولت الرئاسة الصينية تحت قيادة شي جين بينغ أهمية كبيرة لتعزيز قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات الخارجية، فجعلت أمن الطاقة أولوية وطنية منذ عام 2014. كانت معظم واردات النفط الصينية تمر عبر مضيق ملقا قرب سنغافورة، أحد أهم الاختناقات البحرية في تجارة الطاقة العالمية، مما عزز الحاجة الملحة لبناء احتياطيات استراتيجية قوية.

حجم المخزونات والاستثمار

أنفقت الصين عشرات المليارات من الدولارات على بناء مخزوناتها النفطية. وبحسب تقديرات وسائل إعلام عالمية، كانت احتياطيات الصين النفطية العام الماضي أكبر بنحو 600 مليون برميل من نظيرتها الأمريكية. لا تنشر بكين الحجم الرسمي لاحتياطياتها النفطية الإستراتيجية، لكن التقديرات تضع إجمالي الاحتياطيات بين مليار و1.4 مليار برميل، بما يعادل نحو 120 يوماً من الواردات.

التطبيق العملي والنتائج

أظهرت حرب إيران حجم التحول الفعلي في معادلة أمن الطاقة الصينية. سمحت المخزونات الضخمة لبكين بخفض وارداتها النفطية بصورة حادة، إذ انخفضت بنسبة 23% بين مارس ويوليو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ساعد تراجع الطلب الصيني على كبح ارتفاع أسعار الخام عالمياً. قالت إيريكا داونز، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن التعامل الصيني مع الأزمة اتسم منذ بدايتها بشعور بأن الوضع يمكن إدارته دون الحاجة إلى الذعر.

بدأت الصين منذ 2024 تسريع التخزين بمعدل تراوح بين مليون و1.2 مليون برميل يوميا، مستفيدة من الخصومات على النفط الروسي والإيراني المرتبطة بالعقوبات الغربية. ارتفعت واردات الصين من الخام الروسي بنسبة 26% بين 2022 و2025، بينما زادت وارداتها من الخام الإيراني بأكثر من الضعف.

سياسة الطاقة المتكاملة

لم تقتصر استراتيجية الصين على تراكم المخزونات فحسب، بل رافقتها سياسة طاقة متكاملة. وفرت مصادر الطاقة المتجددة نحو خمسي إجمالي توليد الكهرباء بالصين خلال النصف الأول من العام. أصبحت مركبات الطاقة الجديدة تمثل نصف السيارات الجديدة المبيعة. ساهمت شبكة الشحن الكهربائي والسكك الحديدية فائقة السرعة في توفير بدائل للنقل، مع انخفاض حركة المرور على الطرق بنحو 2% وارتفاع عدد ركاب القطارات بنسبة 4%. كما عزز تطوير تقنيات تحويل الفحم إلى مواد كيميائية قدرة الصين على استخدام احتياطياتها المحلية الضخمة بديلاً جزئياً عن النفط والغاز في بعض الصناعات.

الأبعاد الجيوسياسية

تكتسب هذه القدرة أهمية جيوسياسية كبيرة تتجاوز الأزمات الفورية. في سيناريو مواجهة محتملة بشأن تايوان، يمكن لقدرة بكين على خفض وارداتها لأشهر أن تقلل فاعلية أي محاولة أمريكية أو غربية لتعطيل إمدادات الطاقة المتجهة إلى الصين. لم يعد النفط يمثل نقطة الضعف الصينية التي كان يُعتقد سابقاً أنه يمثلها. جعلت هذه الأدوات التي بنتها بكين لحماية اقتصادها من صدمات النفط، وسيلة تقلص إحدى أبرز نقاط الضغط التي يمكن للولايات المتحدة وحلفائها استخدامها ضد الصين في أي مواجهة مستقبلية.

القيود والتحديات

لكن قدرة الصين على تحمل الأزمة ليست مفتوحة بلا حدود. كانت الصين تعتمد قبل الحرب على الواردات لتغطية نحو 70% من إمداداتها من الخام، مما يعني أنها لا تستطيع الاستمرار إلى أجل غير مسمى في خفض مشترياتها بالمعدلات الحالية. كلما طال اضطراب التدفقات عبر مضيق هرمز، سيضطر المسؤولون الصينيون إلى الموازنة بين دعم النمو والمحافظة على مستويات كافية من المخزونات.

بدأت التكاليف الاقتصادية في الظهور أيضاً. انخفضت صادرات البنزين بنسبة 93% في الربع الثاني على أساس سنوي، وتراجعت صادرات الديزل بنحو 25%، مما يضغط على أرباح المصافي. قدّر كبير اقتصاديي الصين في ماكواري أن نحو 90% من تباطؤ الإنتاج الصناعي خلال الربع الثاني ارتبط بسلسلة صناعات النفط والبتروكيميائيات.

لا تعني المخزونات أن الصين أصبحت محصنة من صدمات النفط، لكنها غيّرت طبيعة المخاطر التي تواجهها. بدلاً من تحول اضطراب الإمدادات سريعاً إلى أزمة طاقة، باتت بكين تمتلك مساحة أكبر للسحب من المخزون وخفض الواردات والتكرير والاستفادة من بدائل الطاقة.

المزيد حول هذا الموضوع

المزيد في اقتصاد