تواجه أوروبا تحديات متزايدة في استقرار إمدادات الكهرباء مع تصاعد موجات الحر، حيث أثر ارتفاع درجات الحرارة على الأنهار في القارة بشكل مباشر. ارتفعت درجة حرارة مياه الأنهار وانخفض منسوبها بشكل ملحوظ، مما أجبر محطات الطاقة النووية العاملة على هذه الأنهار على خفض معدلات إنتاجها من الكهرباء.
يظهر الوضع بوضوح على نهر الدانوب، حيث تعمل محطة باكس المجرية، التي تنتج عادة نحو 40 بالمائة من احتياجات المجر من الكهرباء، بوحدة توربينية واحدة فقط من أصل أربع وحدات. الانخفاض القياسي في منسوب المياه يهدد المحطة النووية الوحيدة في البلاد بالإغلاق المؤقت.
لكن تأثير الأزمة يتسع بشكل أكبر على فرنسا، التي تعتمد بدرجة لا مثيل لها في أوروبا على الطاقة النووية لتأمين إمداداتها الكهربائية. عندما ينخفض إنتاج محطات الطاقة النووية الفرنسية، قد تضطر فرنسا لتقليل إمداداتها لجيرانها أو حتى تصبح مستوردة للكهرباء. على سبيل المثال، في 24 يونيو، أدى ارتفاع درجة حرارة الأنهار إلى تقييد نحو 4.1 جيجاوات من إنتاج الطاقة النووية الفرنسية، فانخفضت صادرات فرنسا من الكهرباء إلى نحو 3 جيجاوات مقابل 10-12 جيجاوات قبل أسبوع.
رغم أن الخسائر السنوية الإجمالية تبقى محدودة، فإن التأثير يصبح حرجاً خلال فترات الذروة. أظهر تقرير ديوان المحاسبة الفرنسي لعام 2023 أن الخسائر السنوية بين 2000 و2022 بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه تبلغ أقل من واحد بالمائة في معظم السنين. لكن في صيف 2003 الحار جداً، اضطرت محطات الطاقة النووية الفرنسية لخفض إنتاجها مؤقتاً بأكثر من ستة جيجاوات. وحدث الأمر ذاته خلال موجات الحر الأخيرة في يونيو ويوليو، حيث بلغ انخفاض الإنتاج المتاح ثمانية إلى تسعة جيجاوات، أي ما يعادل حوالي خُمس الإنتاج المتاح عادة في الصيف.
السبب الجذري يعود إلى طبيعة محطات الطاقة النووية. هذه المحطات تحول نحو ثلث الحرارة المولدة إلى كهرباء فقط، بينما يتم تصريف الباقي عبر نظام التبريد إلى الأنهار أو البحار. عندما ينخفض منسوب الماء، تتوزع هذه الحرارة على كمية أقل من الماء، ما يرفع درجة حرارة المياه بسرعة. ولحماية الكائنات الحية، وضعت السلطات حدوداً قانونية لدرجة حرارة المياه، مما يجبر مشغلي المفاعلات على تقليل الإنتاج في أيام الحر الشديد.
تُظهر آثار هذه الأزمة تأثيراً واضحاً على أسعار الكهرباء الأوروبية. ارتفعت أسعار الكهرباء في فرنسا وألمانيا بسبب خفض الإنتاج النووي الفرنسي، مضافاً إليه زيادة الاستهلاك وضعف إنتاج طاقة الرياح واستخدام محطات الغاز. وصلت الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ يناير 2025.
يتوقع الخبراء أن تتضاعف فترات توقف المفاعلات بسبب تغير المناخ ثلاثة إلى أربعة أضعاف بحلول 2050. تخطط فرنسا للتعامل مع هذا التطور عبر استخدام أبراج تبريد إضافية وهياكل أعمق لسحب المياه وخطط صيانة أفضل. في مشاريع البناء الجديد، من المقرر بناء أربعة مفاعلات حديثة من طراز EPR2 على الساحل في بينلي وغرافلين، ومفاعلات أخرى على نهر الرون مع أبراج تبريد للحد من زيادة الحرارة في النهر.




