دخلت العلاقات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية مرحلة جديدة من التصعيد الحاد. تستهدف واشنطن المحكمة وقضاتها من خلال إجراءات متعددة، وسط جدل واسع حول تداعيات هذه السياسة على السيادة الأمريكية والمساءلة الدولية والتحالفات الدولية. وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن واشنطن ستفكك المحكمة الجنائية الدولية "طوبة تلو الأخرى إذا لزم الأمر"، بينما أطلقت وزارة الخارجية حملة حكومية شاملة لـ"تفكيك" ما وصفته بأنه "تهديد للسيادة الأمريكية".
تتجاوز تبعات هذا الصراع الحدود الثنائية بين واشنطن ولاهاي، حيث يرفع أسئلة جوهرية عن مستقبل النظام القضائي الدولي وقدرته على تحقيق العدالة الجنائية دون تضارب مع المصالح الإستراتيجية للدول الكبرى. وتشير المؤشرات إلى أن هذه المواجهة قد تؤثر بشكل مباشر على التحالفات الدولية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بدعم المؤسسات الدولية ومشاركتها الفعلية فيها.
التفاصيل
يخضع الآن 11 قاضياً من المحكمة الجنائية الدولية وممثل للادعاء لعقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية. وفُرضت العقوبات على اثنين منهم بسبب تصويتهما في أحد الأحكام، بالمبرر المعلن أن المحكمة تشكل تهديداً للسيادة الأمريكية. وعلى مدى 25 عاماً، تبنت واشنطن موقفاً أكثر تحفظاً بأن المحكمة الجنائية الدولية، التي تنظر في قضايا الجرائم الدولية بما فيها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، لا يمكنها قانونياً محاكمة المواطنين الأمريكيين.
لكن ما تغيّر هو نطاق العمل العسكري الأمريكي تحت إدارة ترامب. منذ سبتمبر 2025، قتل الجيش الأمريكي أكثر من 200 شخص في نحو 60 ضربة استهدفت سفناً في منطقة الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، مع كشف محدود جداً عن هوياتهم. كما أُعيد طالبو اللجوء إلى بلدانهم الأصلية أو نُقلوا إلى مراكز احتجاز في دول ثالثة. وفي يناير الماضي، ألقت القوات الأمريكية القبض على رئيس دولة في منصبه واقتادته إلى قاعة محكمة أمريكية. بإضافة الحرب مع إيران والدعم الأمريكي لإسرائيل في غزة، تكون هذه الإدارة قد أوجدت أكبر قدر من التعرض المحتمل للمساءلة عن جرائم دولية مقارنة بأي إدارة سابقة منذ 2004.
يشعر مسؤولون في الإدارة بالقلق من أن "المحكمة الجنائية الدولية غير الخاضعة للرقابة والمؤسسات الدولية الأخرى ستطلق موجة من الدعاوى القضائية" ضد هذه الإدارة وأي شخص مرتبط بها. وحذّر وزير الخارجية من أن المحكمة قد تستهدف مشاة البحرية الأمريكية وعناصر حرس الحدود.
الثغرات القانونية
حسب تحليل إريك ألتر، أستاذ القانون الدولي والدبلوماسية وعميد أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي، فإن الإدارة تستهدف الجهة الخطأ بحملتها. لم توقّع الولايات المتحدة قط على "نظام روما الأساسي" الذي يحكم عمل المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يمنع الاختصاص القائم على الجنسية. لكنه لا يلغي الاختصاص الإقليمي، إذ يمكن للمحكمة النظر في أفعال ارتُكبت على أراضي دولة عضو أو على متن سفينة مسجلة فيها، وفنزويلا وكولومبيا والإكوادور جميعها موقعة على النظام.
تستند حماية الأمريكيين من ملاحقات المحكمة إلى المادة 17، التي تكرس مبدأ "المقبولية". فإذا قامت دولة متمتعة بالاختصاص بالتحقيق الحقيقي في الجرائم المحتملة أو ملاحقة مرتكبيها، تصبح القضية غير مقبولة أمام المحكمة. ويقول ألتر إن الولايات المتحدة لم تراقب أي قوة في التاريخ قواتها المسلحة بالقدر نفسه من التفصيل، من خلال منظومة تشمل القانون الموحد للقضاء العسكري وفيلق المحامين العسكريين ومكتب التخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين ومكاتب المفتشين العاميين المنتشرة في السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى وزارة العدل.
تفكيك آليات المساءلة
على مدى 18 شهراً، عملت الإدارة الأمريكية على تفكيك أجزاء من منظومة المساءلة بسرعة. ألغى وزير الدفاع بيت هيغسيث وحدات تقييم الأضرار التي تلحق بالمدنيين، وأقال كبار المحامين العسكريين الذين وصفهم بأنهم عوائق أمام "الفتك". كما أقالت الإدارة المفتشين العامين في وزارة الدفاع بعد توليها السلطة في يناير 2025. لم تُبدِ وزارة العدل، التي يقودها المحامي الشخصي السابق للرئيس، أي مؤشر على أنها ستفحص الضربات التي استهدفت القوارب في منطقة الكاريبي. ومن المتوقع إصدار عفو استباقي على نطاق واسع جداً.
يقول ألتر إن هذه الإجراءات، رغم اتفاقها إلى حد كبير مع القانون المحلي، قد تعد دليلاً بموجب المادة 17 على عدم وجود إجراءات وطنية حقيقية لمنع توجيه اتهامات جنائية. ومن المرجح أن تضمن هذه الخطوات ألا تلاحقهم المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. لكن العفو فعّال فقط لأن الرئيس يسيطر على النظام الذي يمنحه. ما كان يحمي الأمريكيين هو ضبط المحكمة لنفسها، وهذا الضبط هو أول ما تتخلى عنه أي مؤسسة عندما تقرر أنه لم يعد لديها ما تخسره.
تداعيات أوروبية
يمتد الضرر الأوسع إلى حلفاء أوروبيين يقدّرهم واشنطن أكثر من المحكمة الجنائية الدولية. الأمر التنفيذي رقم 14203 يفرض عقوبات على ممتلكات القضاة العاملين في لاهاي، ما يخلق مشكلة فورية أمام هولندا التي تلتزم بالحفاظ على استمرارية عمل المحكمة. طلبت البنوك الهولندية ضمانات قبل مواصلة معالجة معاملات المحكمة، فيما أشار وزير العدل الهولندي إلى أن بلاده "صغيرة للغاية" بحيث لا تستطيع حمايتها بمفردها. ووصف رئيس المحكمة الجنائية الدولية قانون الحجب الخاص بالاتحاد الأوروبي، الذي يحمي المحكمة من العقوبات، بأنه "ضروري" لبقاء المحكمة. دعا البرلمان الأوروبي إلى تفعيله مرتين، وطلبت إسبانيا رسميّاً تفعيله في مايو الماضي. نتيجة لذلك، تناقش وزارات المالية الأوروبية الآن كيفية التعامل مع هذا الضغط المتزايد.







