في زيارة رمزية إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، وجّه البابا لاوون الرابع عشر رسالة واضحة إلى القادة الأوروبيين. دعا خلال عظته يوم السبت (الرابع من يوليو/تموز) إلى مقاربة أكثر إنسانية وشمولاً في التعامل مع قضية الهجرة. لم يكتفِ البابا بالدعوات النظرية، بل اختار لامبيدوسا منصة عملية للرسالة، لما تمثله الجزيرة من رمز لمآسي الهجرة عبر البحر المتوسط.
قال البابا إن أوروبا تستطيع التعامل مع أزمة الهجرة "بطريقة متكاملة". تشمل هذه الطريقة استقبال المهاجرين وحمايتهم ومساعدتهم على الاندماج. بالإضافة إلى ذلك، دعا إلى العمل من أجل التنمية في بلدان المنشأ. هذا حتى لا يضطر الناس إلى مغادرة أوطانهم قسراً. جاء هذا الموقف في سياق اتخاذ الاتحاد الأوروبي تدابير أشدّ في ملف الهجرة مؤخراً، تشمل توسيع الاحتجاز وإقامة مراكز خارج الأراضي الأوروبية.
حملت الزيارة رمزية عميقة من خلال الأفعال والمشاهد. وضع البابا إكليلاً من الزهور في مقبرة تضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية. زار نصب "بوابة أوروبا" المخصص لضحايا الهجرة في البحر المتوسط. ووقف وحيداً على صخرة تواجه البحر في مشهد حمل قوة رمزية. تقع لامبيدوسا على بعد نحو 145 كيلومتراً فقط من السواحل التونسية، وتحمل سجلاً حزيناً من كوارث البحر. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2013، لقي أكثر من 360 مهاجراً حتفهم قرب الجزيرة في واحدة من أسوأ الكوارث البحرية في المتوسط.
حملت زيارة البابا صدى خاص بسبب السابقة التاريخية. اختار البابا فرانسيس لامبيدوسا عام 2013 كأول محطة خارجية له بعد انتخابه. كانت رسالة مماثلة آنذاك ضد ما سماه "عولمة اللامبالاة". في عظته الحالية، انتقد البابا اللامبالاة تجاه معاناة المهاجرين والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة. انتقد أيضاً استغلال شبكات التهريب لمآسي الباحثين عن الأمان. قال إن محبة القريب لا تبقى فكرة مجردة، بل تبدأ عندما يقترب الإنسان من ألم الآخر ويتوقف أمامه.
استقبلت المنظمات الدولية الزيارة كرسالة سياسية حاسمة. قال المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو أونغارو لوكالة فرانس برس إن حضور البابا في لامبيدوسا يشكل "رسالة واضحة" في وقت يتركز فيه النقاش العالمي على الحدود وسياسات المنع. أما المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، فاعتبرت الزيارة تذكيراً بأن أرقام الهجرة ليست مجرد إحصاءات، بل أرواح بشرية وقصص عائلات.
تعكس الأرقام حجم الأزمة الإنسانية. يعتبر مسار البحر المتوسط من أخطر طرق الهجرة في العالم. بحسب المنظمة الدولية للهجرة، لقي نحو 1330 شخصاً حتفهم أو فُقدوا خلال محاولة عبوره في عام 2025. فيما بلغت الحصيلة منذ بداية عام 2026 ما لا يقل عن 865 شخصاً. تجاء زيارة البابا في هذا السياق، حاملة موقفاً أخلاقياً واضحاً ضد التشدد المتزايد في السياسات الأوروبية تجاه الهجرة.







