رفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منسوب العقوبات الاقتصادية الموجهة ضد إيران، بما وصفته بـ"يوم الإنزال الاقتصادي" المعلن الاثنين الماضي. تهدف واشنطن من خلال هذه الخطوة إلى خنق الشرايين التجارية والمالية الإيرانية، وإجبار قيادتها على تقديم تنازلات سياسية ونووية. لكن فعالية هذا الخيار تواجه عقبات حقيقية تحول دون تحقيق أهدافه المعلنة.
الخلفية
الحملة الجديدة تستعيد إلى حد كبير وصفة عام 2018، عندما انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي وفرضت مئات العقوبات القاسية على طهران. آنذاك، لم تنتزع تلك الحملة تنازلات من إيران، بل دفعتها إلى زيادة نشاطها النووي وتشديد موقفها تجاه الغرب. يؤكد المحلل الإيراني سعيد ليلاز أن إيران "لم تنهر" تحت سياسة الضغط الأقصى السابقة، ولن تنهار هذه المرة، لأنها أصبحت أكثر خبرة في الالتفاف على العقوبات. كما أن العالم بات أكثر استقطاباً، وتوجد اقتصادات إقليمية تعتمد على استمرار تجارتها مع طهران.
التفاصيل
تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في أن نجاح الحملة يتوقف على تعاون دول لا تبدو مستعدة للانصياع الكامل لواشنطن. تمثل الصين الاختبار الأكبر، فهي أكبر شريك تجاري لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها. يثير هذا تساؤلات حول ما إذا كان ترمب مستعداً فعلاً لمعاقبة البنوك والمصافي وشركات الشحن الصينية إذا رفضت بكين الانضمام إلى الحصار، خاصة مع استعداد الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة واشنطن في سبتمبر المقبل. وتشمل التحديات أيضاً تركيا والعراق وروسيا.
رغم أن العقوبات السابقة تسببت في انكماش الاقتصاد الإيراني وانهيار قيمة الريال وارتفاع التضخم، طورت طهران اقتصاداً موازياً يعتمد على شركات واجهة ومسارات تجارية عبر تركيا وعُمان والإمارات. كما وسعت صادراتها غير النفطية من الصلب والبتروكيميائيات. يحذر الخبير السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية داني سيتريونوفيتش من أن العقوبات الثانوية يصعب تطبيقها، لأن إيران طورت شبكات من الشركات الوهمية والوسطاء للالتفاف عليها.
الآن تبدو الأزمة أشد بكثير. الريال يسجل مستويات قياسية من التراجع، والتضخم يقترب من مستويات هائلة، فيما تضررت منشآت صناعية وطاقة بسبب الحرب، وتقول السلطات إن صادرات النفط اقتربت من الصفر. لكن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أكد أن الوضع "صعب للغاية"، لكنه لا يعني انهيار البلاد، مشيراً إلى أن طهران اتخذت إجراءات احتياطية بينها توزيع احتياطيات العملة الأجنبية في أماكن مختلفة لضمان شراء الغذاء والدواء.
ماذا بعد؟
تتوقع نيويورك تايمز أن الأزمة الاقتصادية العميقة قد تجعل إيران أقل استعدادً للاستسلام، لأن قيادة البلاد قد تعتبر أن التصعيد أصبح أقل كلفة من القبول بشروط واشنطن. يحذر الخبير الإيراني سينا توسي من أنه كلما زاد الضغط الأمريكي على الدول التي تتعامل مع إيران، زادت دوافع طهران لإظهار أن عزلها ستكون له كلفة إقليمية. وتترافق هذه المخاوف مع تهديدات إيرانية بإغلاق صادرات النفط في الخليج، وهو ما قد يشعل المواجهة مجدداً ويرفع أسعار الوقود عالمياً.
يعتبر الكاتب في تلغراف أمبروز إيفانز بريتشارد أن "يوم الإنزال الاقتصادي" محكوم بالفشل، لأن أمريكا لم تعد تمتلك النفوذ الذي كانت تتمتع به قبل عقد أو عقدين لفرض حصار مالي عالمي على خصومها. تحتاج واشنطن إلى تعاون الصين وروسيا والهند وتركيا وأوروبا، بينما باتت الصين أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الأمريكية. وبالتالي، تبقى استراتيجية الحصار الاقتصادي خياراً محفوفاً بالمخاطر، قد لا ينتج عنها سوى تعميق الأزمة بدلاً من حلها، خاصة في غياب رؤية سياسية شاملة أو قنوات حوار فعّالة.







