لم يعد الفساد في العراق مجرد ملفات إدارية تُفتح في أروقة الدولة، بل تحول إلى اقتصاد موازٍ متكامل يعيد تدوير الأموال المنهوبة عبر قنوات متعددة. وفقاً لتقرير من DW عربية، فإن شبكات منظمة باتت تستخدم الاستثمارات العقارية والمشاريع الوهمية والواجهات التجارية المزيفة كأداة لإضفاء غطاء قانوني وهمي على أموال مختلسة من خزينة الدولة.
هذا الواقع المقلق ينعكس على المشهد اليومي في الشارع العراقي، حيث تظهر مفارقة صارخة بين الازدهار الظاهري وتردي البنى التحتية. فبينما تزدحم الشوارع بسيارات فارهة ومراكز تسوق حديثة ومبانٍ شاهقة، تبقى البنى التحتية متهالكة والشوارع تتشقق مع أول موجة مطر. هذه الازدواجية ليست خللاً عابراً، بل تعبير عن نمط اقتصادي مشوّه تغذيه شبكات الفساد التي حولت الأموال المفترضة للتنمية الحقيقية إلى أدوات للثراء السريع والمظاهر الاستهلاكية.
الفساد في العراق لا يعمل بشكل فردي، بل ضمن شبكة مترابطة تبدأ من آليات إقرار المشاريع داخل المؤسسات الرسمية. وتشير مصادر مطلعة إلى أن تمرير العديد من المشاريع يخضع لتقاسم الحصص بين جهات سياسية ومسؤولين، ما يحول العملية من خدمة عامة إلى صفقة مغلقة. يوضح مسؤول حكومي آثر عدم الكشف عن هويته آلية بسيطة لكنها شديدة التأثير: دواء قد لا يتجاوز سعره دولاراً واحداً يُشترى بثمانية دولارات ضمن عقود حكومية، والفارق يُوزع كحصص بين سلسلة من الموظفين والمسؤولين من أول توقيع إداري حتى أعلى مستويات المصادقة.
بهذه الطريقة يُعاد إنتاج المال العام داخل شبكة مغلقة تشكل اقتصاداً موازياً قائماً بذاته. ومع مرور الوقت تظهر نتائج هذا النظام بوضوح، حين يتمكن موظف لا يتجاوز راتبه الشهري ألف دولار من امتلاك منزل بمئات آلاف الدولارات وقيادة سيارة فارهة. يقول الخبير الاقتصادي الدكتور وائل منذر لـ DW عربية: "أحد أسباب مشكلة غسيل الأموال في العراق أن الاقتصاد غير الرسمي واسع جداً، والأعمال التجارية المربحة الكبيرة غير مسجلة والدولة لا علم لها بها، والسبب هو الترهل الإداري".
هذا الاقتصاد الموازي لا يعمل في الظل فقط، بل يترك بصماته الضارة على السوق والمجتمع. حيث ترتفع كلفة المشاريع وتتراجع جودة الخدمات، وترتفع أسعار العقارات بشكل جنوني حتى أن المتر المربع في بعض المدن التي لا تتوفر فيها الخدمات يبلغ أكثر من سعر المتر المربع في مناطق سكنية في مدن أوروبية شهيرة. هذا يعكس انعدام الثقة حتى في النظام المصرفي نفسه.
تتعدد وسائل خزن الأموال المنهوبة وتتخذ أشكالاً متنوعة. البعض يفضل الاحتفاظ بالمبالغ النقدية داخل المنازل أو تحويلها إلى سبائك ذهبية تُخفى تحت الأرض، مستندين إلى قناعة بأن مواقعهم السياسية ستمنحهم الحصانة الكافية. بينما يلجأ آخرون إلى أساليب أكثر تعقيداً عبر شبكات غسل أموال منظمة تهرب الأموال إلى خارج العراق، ثم توظفها في شراء عقارات فاخرة في دول مجاورة أو أوروبية.
كما تُستخدم الأموال المنهوبة في إنشاء مراكز تسوق كبيرة أو مشاريع صناعية لا يكتمل تنفيذها بل تظهر كاستثمارات حقيقية. وتشير تقارير إلى أن بعض صفقات الفساد نفسها تُعد قناة مباشرة لغسل الأموال من خلال شراء هدايا باهظة الثمن أو سيارات فارهة أو عقارات في مواقع مميزة. يضرب الدكتور وائل منذر أمثلة على ذلك، موضحاً أن من وسائل غسيل الأموال مهور ومؤخرات زواج تصل إلى مليارات الدنانير، حيث يتزوج الشخص أكثر من مرة ويطلق زوجاته فيدفع مؤخر الصداق، فتحصل الزوجة المطلقة على المؤخر بصورة قانونية ثم تقوم بشراء عقار في دولة مجاورة بالأموال. كما تُفتح مطاعم أو محال لبيع ملابس تعمل لفترة رغم عدم تحقيقها مبيعات حقيقية، ثم تُظهر أرباحاً كبيرة وغير حقيقية، وبعدها تُصفّى فيبدو الدخل الناتج مشروعاً.
بدأ القضاء يلاحظ هذه الممارسات، فعند شراء عقار بمبلغ كبير جداً، يطلب القاضي إثباتات تؤكد أن المشتري نظيف الذمة وأن مصدر أمواله مشروع قبل تسجيل العقار باسمه. هذا الجهد القضائي يعكس الحاجة الماسة لوقوف حقيقي من الأجهزة الرقابية والأمنية في وجه هذه الممارسات، خاصة مع اتساع رقعة الشبكات المتورطة وتعقد آلياتها في تبييض الأموال والتستر على عمليات السرقة والنهب.







