أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحات تشير إلى وجود «مجموعة مختلفة» داخل الهيكل السياسي الإيراني، وعاد بها إلى التهديد بعد الهجوم الصاروخي الإيراني على ما وصفته طهران بأنها قاعدة أمريكية في الأردن. وقال ترمب إن واشنطن تتعامل مع هذه «المجموعة المختلفة»، مضيفاً: «لقد اعتذروا بالفعل، لكنكم تعلمون أن علينا أن نلقنهم درساً قليلاً». وللصحفيين أضاف: «حان دورنا، وسنرى إن كنا سنصل إلى اتفاق في مرحلة ما. لكننا سنضربهم بقوة كبيرة».
لم يحدد ترمب الجهة التي اعتذرت أو لمن قدمت الاعتذار، ولا توضيح لما إن كان يتحدث عن رسالة من وسيط أو عن الحكومة ووزارة الخارجية أو قناة أخرى داخل السلطة الإيرانية. وعلى الرغم من هذا التصريح، لم تنشر وسائل الإعلام الإيرانية أو العالمية أي إعلان رسمي عن اعتذار إيراني لواشنطن بشأن الهجوم الأخير. وعلى العكس من ذلك، أعلن الحرس الثوري تبنيه إطلاق صواريخ باليستية على قاعدة في الأردن، بينما أكد ترمب أن الصواريخ تم اعتراضها.
للرواية الأمريكية أرضية جزئية، فقد خرج جانب من الخلافات الإيرانية الحقيقية إلى العلن خلال الفترة الأخيرة. تركزت هذه الخلافات على توقيت التفاوض وشروطه وكلفة الحرب وكيفية استخدام أوراق القوة، خاصة مضيق هرمز. واندلع سجال مؤخراً بين حكومة الرئيس مسعود بزشكيان والتلفزيون الرسمي، حين حذف الأخير أجزاء من خطاب للرئيس تحدث فيه عن قضايا تفاوضية حساسة. اتهمت الحكومة التلفزيون بـ«الرقابة»، بينما قالت إدارة التلفزيون إن من واجبها منع ظهور «ازدواجية في ركائز قيادة البلاد».
انتقل الخلاف إلى هجوم مباشر على المسؤولين المرتبطين بالتفاوض. ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي تعرضا لاعتداءات من أنصار تيار يرفض الاتفاق. وأشارت شبكة «سي إن إن» إلى أن النائب المتشدد محمود نبويان حاول تسريب معلومات مرتبطة بالاتفاق، ثم أُبعد لاحقاً عن لجنة الأمن القومي. وفي المقابل، رفض عراقجي الادعاءات بأن مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن «فُرضت» على القيادة الإيرانية، واصفاً إياها بأنها أفضل اتفاق ممكن في تلك الظروف.
تشير التحليلات إلى أن تأثير التيار المتشدد لا يرتبط بعدد أشخاصه فحسب، بل بمواقعهم داخل مؤسسات حساسة. وبينما وصفتهم «سي إن إن» بـ«الصغار العدد»، إلا أنهم يشغلون مواقع نافذة في البرلمان والبث الرسمي. وأبرز رموزهم مسؤول الأمن القومي السابق سعيد جليلي، الذي حصل على أكثر من 13 مليون صوت في انتخابات 2024 وجاء في المرتبة الثانية. لكن الخلاف الحقيقي يدور داخل النظام نفسه حول سؤال جوهري: هل تُفاوض إيران تحت ضغط الحرب أم تواصل التصعيد لتحسين شروطها؟
يدير الرئيس بزشكيان الحكومة والاقتصاد ويدفع باتجاه الدبلوماسية، لكنه أضعف نفوذاً من النخبة العسكرية والأمنية. يقود الحرس الثوري مساحة واسعة من عمليات الحرب ويدير مضيق هرمز. ومع ذلك، يرفض بزشكيان تصوير الحكومة والعسكريين كمعسكريْن منفصلين. يمكن قراءة حديث ترمب بوصفه محاولة لاستثمار هذه التباينات في حرب نفسية، حيث يسوق الضغط العسكري باعتباره دفع جزءاً من النظام إلى الاعتذار، ويشجع الشكوك داخل إيران حول من يبعث الرسائل، ويتيح لواشنطن التهديد بالضرب مع إبقاء باب الاتفاق مفتوحاً.
رد المفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف على ادعاءات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن انقسام إيراني، قائلاً: «وصلنا إلى درجة الأستاذية في التعرف على هذه الألعاب الأمريكية، وقد أعددنا أنفسنا على هذا الأساس». نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مصادر أن طهران لم تطلب استئناف الدبلوماسية منذ أكثر من أسبوعين، وأن إدارة ترمب لا تعمل حالياً بصورة نشطة على استئناف المحادثات. كما رفضت إيران المقترح العُماني لإدارة مشتركة لمضيق هرمز، متمسكة بشروط تحفظ سيطرتها على جزء من المضيق.
إذن تكشف التطورات خلافاً إيرانياً حقيقياً بشأن إدارة الحرب والتفاوض، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى وجود جناح مستقل قادر على إبرام اتفاق منفصل مع واشنطن. ترمب يحوّل هذه التباينات إلى رواية عن «مجموعة تعتذر» وأخرى تستحق الضرب، مستفيداً من شقوق موجودة، وموسعاً إياها إعلامياً إلى ما هو أكبر من الواقع المتاح. وقال مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية إن كبار المسؤولين الإيرانيين كانوا شبه مجمعين على المذكرة، لكن أحداً لا يعتقد الآن أن ترمب شريك تفاوضي موثوق، والمشكلة أن ترمب لديه الانطباع نفسه عن الإيرانيين.







