أثار مقطع مصور لامرأة تتعرض للجلد علناً في شارع مدينة سبها جنوبي ليبيا، تنفيذاً لحكم قضائي بتهمة الزنا، جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والحقوقية الليبية والعربية. الفيديو الذي انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر امرأة مرتدية نقاباً يغطي وجهها، بينما يقف أمامها عنصر شرطة يُنفذ جلداً بسوط. وبحسب البيان المسموع في المقطع، يتم تنفيذ حد الجلد بمئة جلدة في قضية زنا بعد حكم المحكمة عليها.
قوبل المقطع باستنكار حقوقيين ونشطاء، انتقدوا الجلد العلني وتصويره ونشره على الملأ. قالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إن قانون إقامة حد الزنا رقم 70 لسنة 1973 لم ينص على نشر تنفيذ العقوبة في الصحف أو وسائل الإعلام. وأوضحت أن القانون يقضي بتنفيذ الجلد داخل مركز الشرطة بحضور وكيل النيابة والطبيب المختص فقط، لا علناً.
في رد على الواقعة، أصدر جهاز الشرطة القضائية بياناً أوضح أن رئيس الجهاز وجّه بفتح تحقيق بشأن نشر الواقعة عبر الإعلام، مع إيقاف جميع المسؤولين المباشرين إلى حين انتهاء التحقيقات. من جانبه، أصدر المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي بياناً أكد أن "الشريعة الإسلامية جعلت من إقامة الحدود وسيلة لتحقيق العدل والزجر"، مشيراً إلى أن "تصوير تنفيذ الأحكام ونشرها عبر التواصل الاجتماعي ليس من مقتضيات تنفيذها".
وصف الدكتور صلاح سالم، عميد كلية الدعوة الإسلامية السابق، تطبيق العقوبة بهذه الطريقة العلنية بأنه "سابقة غير مسبوقة في الأوساط الليبية". وأوضح أن هذا الأمر "غير مألوف في ليبيا" حيث لم تُقم الحدود بهذه الطريقة العلنية سابقاً، وأن "التشهير مُستهجن شرعاً".
أثارت الواقعة انتقادات نسوية بسبب عدم ظهور الطرف الآخر في القضية. أكد المجلس الوطني الأعلى للمرأة الليبية أن "الزنا ليس جريمة ترتكبها المرأة وحدها، بل يشترك فيها طرفان". واعتبر البيان أن "الاقتصار على إظهار المرأة وحدها أمام الرأي العام يخلق انطباعاً بانتقائية العدالة ويكرس صورة نمطية، بينما يغيب الرجل عن المشهد"، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.
قالت أمينة الحاسية، ناشطة حقوق المرأة وعضوة بلجنة استشارية ببعثة الأمم المتحدة في ليبيا، إن هذه "حالة فردية" وأن ليبيا لم تشهد من قبل نشر مشاهد تنفيذ عقوبة الجلد علناً. أضافت أن "قضايا الزنا في ليبيا تُحل سراً بطريقة عرفية في حضور عائلة الطرفين فقط منذ عهد الملكية، وعادة ما يتولى شيخ القبيلة حلها عبر الزواج أو دفع تعويض مالي".
يشير الدكتور عبد العزيز النجار، وكيل وزارة سابق بالأزهر الشريف، إلى أن إثبات جريمة الزنا في الشريعة الإسلامية يخضع لضوابط شديدة الصرامة. فالجريمة لا تثبت إلا بالإقرار الصريح من المتهم، وحتى حينها يحاول الشرع المراجعة، أو بشهادة أربعة شهود يجب أن تتطابق شهاداتهم في وصف الواقعة ومكانها وتفاصيلها بدقة تامة. وأوضح أن الشريعة الإسلامية تنص على أن العقوبة تكون بحضور "طائفة من المؤمنين"، وهو ما فسّره بأن المقصود ليس تنفيذاً علنياً في ميدان عام، بل في مكان معد مناسب.







