تسعى روسيا لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري في أفريقيا من خلال نموذج يعتمد على توفير أسلحة ومقاتلين للحكومات المحلية للقتال ضد الجماعات المسلحة والإرهابية. وتشكل دولة مالي أهم اختبار لفعالية هذا المقترح الروسي، حيث التزمت موسكو بتقديم دعم عسكري ولوجستي شامل لمواجهة التهديدات الأمنية التي عجزت الحلول الغربية عن احتوائها رغم سنوات من التدخل.
غير أن الواقع على الأرض يشير إلى مواجهة صعبة للنموذج الروسي. يشهد الملف الأمني المالي تدهوراً مستمراً يتجلى في تصاعد الهجمات وارتفاع ملحوظ في أعداد القتلى، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الخيار العسكري الروسي على تحقيق النتائج المرجوة. هذا التطور يأتي في وقت تحاول فيه موسكو فرض نفسها كقوة أمنية بديلة في القارة الأفريقية، بينما تتراجع النفوذ الغربي التقليدي.
الخلفية
بدأ التدخل الروسي المباشر في مالي عام 2021، عندما عرضت موسكو مقاتلين من شركة فاغنر العسكرية الخاصة لمساندة الجيش ضد المتمردين. كانت الجماعات الإسلامية المسلحة قد بدأت الانتشار داخل البلاد منذ عام 2012 مستخدمة العنف الشديد، وسط ضعف الدولة في المناطق الريفية الممتدة عمقاً في الصحراء الكبرى.
وصل أسيمي غويتا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، وحين اشترطت فرنسا استمرار دعمها العسكري بعودة البلاد إلى حكومة مدنية، اختارت السلطات العسكرية التوجه نحو موسكو. انسحبت القوات الغربية من البلاد، وطلب المجلس العسكري المالي عام 2023 أيضاً مغادرة بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام التي كانت تضم قوات ألمانية.
التفاصيل
يقدر خبراء عدد المقاتلين الروس في مالي بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل، يخضعون حالياً لوزارة الدفاع الروسية تحت اسم الفيلق الأفريقي. ومنذ نهاية عام 2021، يشارك هؤلاء المقاتلون في العمليات العسكرية داخل البلاد، بينما يقدر خبراء تكلفة انتشارهم بنحو 10 ملايين دولار شهرياً.
ساعد الدعم الروسي الجيش المالي في البداية على استعادة أجزاء من الشمال، لكن هذا التقدم لم يوقف توسع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، التي واصلت توسيع انتشارها بشكل واضح. تشن الجماعة هجمات شبه يومية على مواقع الجيش والقرى، فيما تقصف القوات الحكومية معسكرات الجماعة والمتمردين.
أظهرت أرقام الضحايا صورة مختلفة عما تصفه السلطات الروسية والمالية بأنه تطور إيجابي. وفق بيانات منظمة أكليد لرصد النزاعات، قُتل نحو 4 آلاف شخص في مالي منذ يناير 2025، وهو عدد يقارب إجمالي القتلى خلال عامي 2024 و2025 معاً، بينهم مئات المدنيين. يهدد عام 2026 بأن يكون واحداً من أكثر الأعوام دموية في تاريخ البلاد.
شهدت مالي تصعيداً جديداً في أبريل الماضي، عندما هاجمت الجماعة وحلفاؤها من المتمردين الانفصاليين الطوارق ست مدن بينها ضاحية للعاصمة باماكو. قُتل وزير الدفاع ساديو كامارا، أحد أبرز الداعمين للاتفاق مع الروس، في تفجير انتحاري خلال إحدى الهجمات. استعاد المتمردون أجزاء مهمة من شمال البلاد، ومنذ ذلك الحين يستمر القتال بوتيرة شبه يومية.
تحولت الجماعات الإسلامية المسلحة في كثير من المناطق، في ظل ضعف الدولة، إلى ما يشبه قوة تفرض النظام. تعتمد في تمويلها على أموال الحماية وتعدين الذهب والتهريب وعمليات الاختطاف. بحسب الأمم المتحدة، بلغ عدد الأشخاص الذين اضطروا إلى الفرار من مناطقهم نحو 750 ألفاً.
الانتهاكات والخسائر المدنية
تواجه القوات المالية والروسية اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين. تحدث مدافعون عن حقوق الإنسان عن عمليات قتل وتعذيب، وقال خبراء تابعون للأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش إنهم وجدوا أدلة موثوقة على قتل وتعذيب أشخاص غير مشاركين في القتال. تحدثت نساء ماليات أيضاً عن تعرضهن للاغتصاب على أيدي مقاتلين بيض.
يرى محلل أكليد هيني نسيبيا أن الأساليب العنيفة للقوات المالية والروسية وفرت لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين دعماً من بعض المجتمعات المتضررة، وسهلت عليها تجنيد مقاتلين جدد. ورفضت مالي اتهامات سابقة بارتكاب انتهاكات أو أعلنت فتح تحقيقات، بينما لم ترد على أحدث الاتهامات.
ماذا بعد؟
رغم الانتكاسات، لا يبدو انسحاب المقاتلين الروس من مالي قريباً. يصف نسيبيا الوجود الروسي بأنه شريان الحياة للنظام، محذراً من أن انسحاب الروس ستؤدي إلى تحول كبير في ميزان القوى لمصلحة المتمردين.
تختلف أهداف موسكو عن شركائها السابقين في مالي. لا تسعى روسيا بالدرجة نفسية إلى تحقيق الاستقرار، وإنما يركز نموذجها على هدفين أساسيين: حماية المجلس العسكري وحماية المناجم. كما تحصل موسكو على موارد مثل الذهب والليثيوم، فضلاً عن النفوذ السياسي وفرصة تقديم نفسها شريكاً أمنياً لحكومات أفريقية أخرى.
أصبحت مالي اختباراً حقيقياً لنموذج روسيا الأمني في أفريقيا. أصبحت روسيا ومالي تعتمدان على بعضهما البعض، والتحدي الروسي يتمثل في إثبات قدرتها على الدفاع عن النظام في باماكو. إذا فشلت روسيا في ذلك، فلن تجد عميلاً آخر للفيلق الأفريقي في أفريقيا.







