تأسست الولايات المتحدة على مبادئ «الحياة والحرية والسعي وراء السعادة» التي صاغها الآباء المؤسسون في دستور البلاد بعد استقلالها عن بريطانيا في 4 يوليو 1776. حرصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على التأكيد بأن هذه المبادئ تشكل محركاً رئيسياً لسياستها الخارجية وعماداً للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية. لكن، بعد مرور 250 عاماً على تلك اللحظة التاريخية، يثار التساؤل الجوهري: هل لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة فعلياً بقيمها التأسيسية؟
تشير الاستطلاعات إلى تنامي الشكوك لدى الأمريكيين أنفسهم. فقد رأى 72 بالمئة من المشاركين في استطلاع للرأي عام 2024 أن «الديمقراطية في الولايات المتحدة كانت نموذجاً جيداً في الماضي، لكنها لم تعد كذلك في السنوات الأخيرة». كما انخفضت نسبة رضا الأمريكيين عن مكانة بلادهم العالمية من 71 بالمئة عام 2002 إلى 38 بالمئة فقط اليوم، بحسب استطلاعات مؤسسة «غالوب».
أحد المؤشرات الرئيسية على هذا التحول هو التصعيد المتزايد للخيار العسكري. رصدت عالمتا العلوم السياسية مونيكا دافي توفت وسيديتا كوشي أكثر من 500 تدخل عسكري أمريكي على مدى 250 عاماً، مع ميل متنام نحو الحل العسكري في السنوات الأخيرة. قالت كوشي، الأستاذة المساعدة في كلية ماونت هوليوك: «بينما كانت الولايات المتحدة في الماضي تفترض أن خصومها يتصرفون بعقلانية، باتت تتراجع عن هذا الاعتقاد في حقبة ما بعد هجمات 11 سبتمبر». وأشارت إلى أنه مع ازدياد ميزانية وزارة الدفاع وتراجع ميزانية وزارة الخارجية، «أصبح وكأن من يملك مطرقة يرى كل شيء مسماراً».
تغيرت أهداف التدخلات الأمريكية عبر العقود. كانت حقبة التسعينيات تمثل «عصر التدخل الإنساني» حيث وسعت الولايات المتحدة مفهوم المصلحة الوطنية ليشمل مواجهة الفظائع الإنسانية حول العالم كما حدث في البلقان والصومال. لكن منذ 2001، أصبح «الحفاظ على سلطة الأنظمة الأجنبية أو بناؤها» أحد الدوافع الرئيسية للتدخلات. كما انتقل تركيز التدخلات من أمريكا اللاتينية إلى آسيا والشرق الأوسط، جزئياً بسبب «الحرب العالمية على الإرهاب».
على الصعيد الدبلوماسي والتجاري، شهدت سياسة الولايات المتحدة تحولات أخرى. بحسب مشروع «قياس الدبلوماسية الأمريكية»، فضّلت الحكومات الأمريكية منذ الثمانينيات الاتفاقيات الثنائية على المتعددة الأطراف، لأنها تسمح للدولة الأقوى بفرض شروطها. لكن عدد المعاهدات والاتفاقيات التنفيذية انخفض بشكل عام. يقول كالفن ثرال، الأستاذ المساعد في جامعة كولومبيا، أن الولايات المتحدة تميل إلى تقليل انخراطها مع الدول التي لا ترى فيها مصالح تجارية كبيرة، بينما تركز على المناطق التي تشكل وجهات للصادرات الأمريكية.
أوضح ثرال أن «الأمر اللافت فيما تفعله الإدارة الحالية» هو أنها «لا تكتفي بعدم الالتزام الفعلي بالنظام الدولي الليبرالي، بل إنها لا تبدي حتى مجرد تأييد شكلي له». عبّر الرئيس ترامب عن هذا الموقف صراحة بقوله: «نحن نخوض هذا الأمر من أجل مصالحنا المالية؛ فالأمر لا يتعلق بالقيم». هذا التحول يترافق مع «نقص تاريخي» في الاستثمار في الجهاز الدبلوماسي، حيث يوجد عدد كبير من مناصب السفراء الأمريكيين الشاغرة.
توضح البيانات أن احتمالية دخول الولايات المتحدة في صراعات عسكرية تزداد مع الدول التي لا يوجد فيها سفير أمريكي. قالت كوشي: «يبدو أن التوازن بين أدوات فن الحكم لدى الولايات المتحدة قد مال لصالح الأدوات العسكرية، وهذا ليس بالضرورة أمراً يصب في مصلحة الأمن الأمريكي أو الأمن العالمي». أفاد 62 بالمئة من الأمريكيين في استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث بأنهم لا يثقون في قدرة الرئيس ترامب على استخدام القوة العسكرية بحكمة أو اتخاذ قرارات سليمة بشأن السياسة الخارجية.
تعكس نظرة العالم للولايات المتحدة هذا التراجع أيضاً. وفقاً لبيانات من مركز «بيو» للأبحاث ومنظمة «تحالف الديمقراطيات» الدنماركية، تحسنت صورة الولايات المتحدة في ثلاث دول فقط من أصل 48 دولة شملها الاستطلاع، هي إسرائيل وروسيا والصين. هذا يعكس تراجعاً حاداً في السمعة الدولية للبلاد مقارنة مع السنوات السابقة، مما يطرح أسئلة عميقة حول المسافة بين الخطاب الأمريكي الرسمي عن القيم الديمقراطية والممارسات الفعلية للسياسة الخارجية.







